ابن قيم الجوزية

187

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وعلى رجاء من زمن حصول العافية ، بخلاف من لم يتناول ذلك . السابع : أن المطيع قد أحاط على بستان طاعته حائطا حصينا . لا يجد الأعداء إليه سبيلا . فثمرته وزهرته وخضرته وبهجته في زيادة ونمو أبدا . والعاصي قد فتح فيه ثغرا ، وثلم فيه ثلمة . ومكّن منه السراق والأعداء . فدخلوا فعاثوا فيه يمينا وشمالا : أفسدوا أغصانه ، وخربوا حيطانه . وقطعوا ثمراته ، وأحرقوا في نواحيه . وقطعوا ماءه . ونقصوا سقيه . فمتى يرجع هذا إلى حاله الأول ؟ فإذا تداركه قيّمه ولمّ شعثه ، وأصلح ما فسد منه ، وفتح طرق مائه ، وعمّر ما خرب منه ، فإنه إما أن يعود كما كان ، أو أنقص ، أو خيرا . لكن لا يلحق بستان صاحبه الذي لم يزل على نضارته وحسنه . بل في زيادة ونمو ، وتضاعف ثمرة ، وكثرة غرس . والثامن : أن طمع العدو في هذا العاصي إنما كان لضعف علمه وضعف عزيمته . ولذلك يسمى جاهلا . قال قتادة : أجمع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أن كل ما عصي اللّه به فهو جهالة . وكذلك قال اللّه تعالى في حق آدم وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [ طه : 115 ] وقال في حق غيره فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 35 ] وأما من قويت عزيمته ، وكمل علمه ، وقوي إيمانه : لم يطمع فيه عدوه . وكان أفضل . التاسع : أن المعصية لا بد أن تؤثر أثرا سيئا ولا بد : إما هلاكا كليا . وإما خسرانا وعقابا ، يعقبه : إما عفو ودخول الجنة ، وإما نقص درجة ، وإما خمود مصباح الإيمان . وعمل التائب في رفع هذه الآثار والتكفير . وعمل المطيع في الزيادة ، ورفع الدرجات . ولهذا كان قيام الليل نافلة للنبي صلى اللّه عليه وسلم خاصة . فإنه يعمل في زيادة الدرجات ، وغيره يعمل في تكفير السيئات . وأين هذا من هذا ؟ . العاشر : أن المقبل على اللّه المطيع له يسير بجملة أعماله . وكلما زادت طاعاته وأعماله ازداد كسبه بها وعظم . وهو بمنزلة من سافر فكسب عشرة أضعاف رأس ماله . فسافر ثانيا برأس ماله الأول وكسبه . فكسب عشرة أضعافه أيضا . فسافر ثالثا أيضا بهذا المال كله . وكان ربحه كذلك . وهلم جرّا . فإذا فتر عن السفر في آخر أمره ، مرة واحدة ، فاته من الربح بقدر جميع ما ربح أو أكثر منه . وهذا معنى قول الجنيد رحمه اللّه : « لو أقبل صادق على اللّه ألف عام ثم أعرض عنه لحظة واحدة كان ما فاته أكثر مما ناله » وهو صحيح بهذا المعنى . فإنه قد فاته في مدة الإعراض ربح تلك الأعمال كلها . وهو أزيد من الربح المتقدم . فإذا كان هذا حال من أعرض ، فكيف من عصى وأذنب ؟ وفي هذا الوجه كفاية . وجوه ترجيح التائب المحسن على من لم يعص وطائفة رجحت التائب ، وإن لم تنكر كون الأول أكثر حسنات منه . واحتجت بوجوه : أحدهما : أن عبودية التوبة من أحب العبوديات إلى اللّه ، وأكرمها عليه . فإنه سبحانه يحب التوابين . ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه ، لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه . فلمحبته لتوبة عبده ابتلاه بالذنب الذي يوجب وقوع محبوبه من التوبة ، وزيادة محبته لعبده ، فإن للتائبين عنده محبة خاصة . يوضح ذلك : الوجه الثاني : أن للتوبة عنده سبحانه منزلة ليست لغيرها من الطاعات . ولهذا يفرح سبحانه