ابن قيم الجوزية

182

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقياسه على مشي مستديم الغصب . وقياس نزع التائب على نزع المستديم : من أفسد القياس وأبينه بطلانا . ونحن لا ننكر كون الفعل الواحد يكون له وجهان . ولكن إذا تحقق النهي عنه والأمر به : أمكن اعتبار وجهيه . فإن الشارع أمر بستر العورة . ونهى عن لبس الحرير . فهذا الساتر لها بالحرير قد ارتكب الأمرين ، فصار فعله ذا وجهين . وأما محل النزاع : فلم يتحقق فيه النهي عن النزع ، والخروج عن الأرض المغصوبة من الشارع البتة ، لا بقوله ولا بمعقول قوله ، إلا باعتبار هذا الفرد بفرد آخر . بينهما أشد تباين ، وأعظم فرق في الحس والعقل والفطرة والشرع . وأما إلحاق هذا الفرد بالعفو : فإن أريد به أنه : معفو له عن المؤاخذة به فصحيح . وإن أريد أنه لا حكم للّه فيه ، بل هو بمنزلة فعل البهيمة والنائم ، والناسي والمجنون : فباطل . إذ هؤلاء غير مخاطبين . وهذا مخاطب بالنزع والخروج . فظهر الفرق . واللّه الموفق للصواب . فإن قيل : هذا يتأتى لكم فيما إذا لم يكن في المفارقة بنزع أو خروج مفسدة . فما تصنعون فيما إذا تضمن مفسدة ؟ مثل مفسدة الإقامة ، كمن توسط جماعة جرحى لسلبهم . فطرح نفسه على واحد . إن أقام عليه قتله بثقله . وإن انتقل عنه لم يجد بدا من انتقاله إلى مثله يقتله بثقله . وقد عزم على التوبة . فكيف تكون توبته ؟ . قيل : توبة مثل هذا : بالتزام أخف المفسدتين ، من الإقامة على الذنب المعين أو الانتقال عنه . فإن تساوت مفسدة الإقامة على الذنب ومفسدة الانتقال عنه من كل وجه . فهذا يؤمر من التوبة بالمقدور له منها . وهو الندم ، والعزم الجازم على ترك المعاودة . وأما الإقلاع : فقد تعذر في حقه إلا بالتزام مفسدة أخرى مثل مفسدته . فقيل : إنه لا حكم للّه في هذه الحادثة ، لاستحالة ثبوت شيء من الأحكام الخمسة فيها . إذ إقامته على الجريح تتضمن مفسدة قتله . فلا يؤمر بها . ولا هو مأذون له فيها . وانتقاله عنه يتضمن مفسدة قتل الآخر . فلا يؤمر بالانتقال ، ولا يؤذن له فيه . فيتعذر الحكم في هذه الحادثة على هذا . فتتعذر التوبة منها . والصواب : أن التوبة غير متعذرة . فإنه لا واقعة إلا وللّه فيها حكم . علمه من علمه وجهله من جهله . فيقال : حكم اللّه في هذه الواقعة : كحكمه في الملجأ . فإنه قد ألجىء قدرا إلى إتلاف أحد النفسين ولا بد . والملجأ ليس له فعل يضاف إليه ، بل هو آلة . فإذا صار هذا كالملجأ ، فحكمه : أن لا يكون منه حركة ولا فعل ولا اختيار . فلا يعدل من واحد إلى واحد ، بل يتخلى عن الحركة والاختيار ، ويستسلم استسلام من هو عليه من الجرحى . إذ لا قدرة له على حركة مأذون له فيها البتة . فحكمه الفناء عن الحركة والاختيار ، وشهود نفسه كالحجر الملقى على هذا الجريح . ولا سيما إن كان قد ألقي عليه بغير اختياره . فليس له أن يلقي نفسه على جاره لينجيه بقتله . والقدر ألقاه على الأول . فهو معذور به . فإذا انتقل إلى الثاني انتقل بالاختيار والإرادة . فهكذا إذا ألقى نفسه عليه باختياره ثم تاب وندم . لا نأمره بإلقاء نفسه على جاره ، ليتخلص من الذنب بذنب مثله سواء .