ابن قيم الجوزية
183
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وتوبة مثل هذا إنما تتصور بالندم والعزم فقط ، لا بالإقلاع . والإقلاع في حقه مستحيل . فهو كمن أولج في فرج حرام ، ثم شدّ وربط في حال إيلاجه بحيث لا يمكنه النزع البتة . فتوبته بالندم والعزم والتجافي بقلبه عن السكون إلى الاستدامة . وكذلك توبة الأول بذلك ، وبالتجافي عن الإرادة والاختيار . واللّه أعلم . التوبة وأداء الحقوق ومن أحكامها : أنها إذا كانت متضمنة لحق آدمي : أن يخرج التائب إليه منه ، إما بأدائه وإما باستحلاله منه بعد إعلامه به . وإن كان حقا ماليا أو جناية على بدنه أو بدن موروثه . كما ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض ، فليتحلله اليوم ، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات » . وإن كانت المظلمة بقدح فيه ، بغيبة أو قذف : فهل يشترط في توبته منها إعلامه بذلك بعينه والتحلل منه ؟ أو إعلامه بأنه قد نال من عرضه ، ولا يشترط تعيينه ، أو لا يشترط لا هذا ولا هذا ، بل يكفي في توبته أن يتوب بينه وبين اللّه من غير إعلام من قذفه وإعتابه ؟ على ثلاثة أقوال . وعن أحمد روايتان منصوصتان في حد القذف ، هل يشترط في توبة القاذف : إعلام المقذوف ، والتحلل منه أم لا ؟ ويخرّج عليهما توبة المغتاب والشاتم . والمعروف في مذهب الشافعي ، وأبي حنيفة ، ومالك رحمهم اللّه : اشتراط الإعلام والتحلل . هكذا ذكره أصحابهم في كتبهم . والذين اشترطوا ذلك احتجوا بأن الذنب حق آدمي : فلا يسقط إلا بإحلاله منه وإبرائه . ثم من لم يصحح البراءة من الحق المجهول شرط إعلامه بعينه . لا سيما إذا كان من عليه الحق عارفا بقدره . فلا بد من إعلام مستحقه به . لأنه قد لا تسمح نفسه بالإبراء منه إذا عرف قدره . واحتجوا بالحديث المذكور . وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من كان لأخيه عنده مظلمة - من مال أو عرض - فليتحلّله اليوم » . قالوا : ولأن في هذه الجناية حقين : حقا للّه ، وحقا للآدمي . فالتوبة منها بتحلل الآدمي لأجل حقه ، والندم فيما بينه وبين اللّه لأجل حقه . قالوا : ولهذا كانت توبة القاتل لا تتم إلا بتمكين ولي الدم من نفسه ، إن شاء اقتص وإن شاء عفا . وكذلك توبة قاطع الطريق . والقول الآخر : إنه لا يشترط الإعلام بما نال من عرضه وقذفه واغتيابه ، بل يكفي توبته بينه وبين اللّه . وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره به من الغيبة . فيبدّل غيبته بمدحه والثناء عليه ، وذكر محاسنه ، وقذفه بذكر عفّته وإحصانه . ويستغفر له بقدر ما اغتابه . وهذا اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية . قدس اللّه روحه . واحتج أصحاب هذه المقالة بأن إعلامه مفسدة محضة ، لا تتضمن مصلحة . فإنه لا يزيده