ابن قيم الجوزية

174

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

والآخرون يجيبون عن هذا بأن التوبة فعل واحد ، معناه الإقلاع عما يكرهه اللّه ، والندم عليه ، والرجوع إلى طاعته . فإذا لم توجد بكمالها لم تكن صحيحة . إذ هي عبادة واحدة . فالإتيان ببعضها وترك بعض واجباتها كالإتيان ببعض العبادة الواجبة وترك بعضها . فإن ارتباط أجزاء العبادة الواحدة بعضها ببعض أشد من ارتباط العبادات المتنوعات بعضها ببعض . وأصحاب القول الآخر يقولون : كل ذنب له توبة تخصه ، وهي فرض منه لا تتعلق بالتوبة من الآخر ، كما لا يتعلق أحد الذنبين بالآخر . والذي عندي في هذه المسألة : أن التوبة لا تصح من ذنب ، مع الإصرار على آخر من نوعه . وأما التوبة من ذنب ، مع مباشرة آخر لا تعلق له به ، ولا هو من نوعه : فتصح . كما إذا تاب من الربا ، ولم يتب من شرب الخمر مثلا . فإن توبته من الربا صحيحة . وأما إذا تاب من ربا الفضل ، ولم يتب من ربا النسيئة وأصرّ عليه ، أو بالعكس ، أو تاب من تناول الحشيشة وأصرّ على شرب الخمر ، أو بالعكس : فهذا لا تصح توبته . وهو كمن يتوب عن الزنا بامرأة ، وهو مصر على الزنى بغيرها غير تائب منها . أو تاب من شرب عصير العنب المسكر ، وهو مصرّ على شرب غيره من الأشربة المسكرة . فهذا في الحقيقة لم يتب من الذنب ، وإنما عدل عن نوع منه إلى نوع آخر ، بخلاف من عدل عن معصية إلى معصية أخرى غيرها في الجنس . إما لأن وزرها أخف ، وإما لغلبة دواعي الطبع إليها ، وقهر سلطان شهوتها له . وإما لأن أسبابها حاضرة لديه عتيدة ، لا يحتاج إلى استدعائها ، بخلاف معصية يحتاج إلى استدعاء أسبابها . وإما لاستحواذ قرنائه وخلطائه عليه ، فلا يدعونه يتوب منها ، وله بينهم حظوة بها وجاه ، فلا تطاوعه نفسه على إفساد جاهه بالتوبة ، كما قال أبو نواس لأبي العتاهية ، وقد لامه على تهتكه في المعاصي : أتراني يا عتاهي * تاركا تلك الملاهي ؟ أتراني مفسدا بالن * سك عند القوم جاهي ؟ فمثل هذا إذا تاب من قتل النفس ، وسرقة أموال المعصومين ، وأكل أموال اليتامى ، ولم يتب من شرب الخمر والفاحشة : صحت توبته مما تاب منه ، ولم يؤاخذ به ، وبقي مؤاخذا بما هو مصرّ عليه ؛ واللّه أعلم . أحكام التوبة ومن أحكام « التوبة » أنه : هل يشترط في صحتها أن لا يعود إلى الذنب أبدا ، أم ليس ذلك بشرط ؟ فشرط بعض الناس : عدم معاودة الذنب . وقال : متى عاد إليه تبينّا أن التوبة كانت باطلة غير صحيحة . والأكثرون على أن ذلك ليس بشرط . وإنما صحة التوبة تتوقف على الإقلاع عن الذنب ، والندم عليه ، والعزم الجازم على ترك معاودته . فإن كانت في حق آدمي : فهل يشترط تحلله ؟ فيه تفصيل - سنذكره إن شاء اللّه - فإذا عاوده ، مع عزمه حال التوبة على أن لا يعاوده صار كمن ابتدأ المعصية ، ولم تبطل توبته المتقدمة .