ابن قيم الجوزية
175
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
والمسألة مبنية على أصل ، وهو : أن العبد إذا تاب من الذنب ثم عاوده ، فهل يعود إليه إثم الذنب الذي قد تاب منه ثم عاوده ، بحيث يستحق العقوبة على الأول والآخر ، إن مات مصرّا ؟ أو إن ذلك قد بطل بالكلية . فلا يعود إليه إثمه . وإنما يعاقب على هذا الأخير ؟ وفي هذا الأصل قولان : فقالت طائفة : يعود إليه إثم الذنب الأول : لفساد التوبة ، وبطلانها بالمعاودة قالوا : لأن التوبة من الذنب بمنزلة الإسلام من الكفر . والكافر إذا أسلم هدم إسلامه ما قبله من إثم الكفر وتوابعه ، فإذا ارتد عاد إليه الإثم الأول مع إثم الردة ، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية . ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر » فهذا حال من أسلم وأساء في إسلامه . ومعلوم أن الردة من أعظم الإساءة في الإسلام . فإذا أخذ بعدها بما كان منه في حال كفره . ولم يسقطه الإسلام المتخلل بينهما . فهكذا التوبة المتخللة بين الذنبين لا تسقط الإثم السابق ، كما لا تمنع الإثم اللاحق . قالوا : ولأن صحة التوبة مشروطة باستمرارها ، والموافاة عليها ، والمعلق على الشرط يعدم عند عدم الشرط ، كما أن صحة الإسلام مشروطة باستمراره والموافاة عليه . قالوا : والتوبة واجبة وجوبا مضيّقا مدى العمر . فوقتها مدة العمر . إذ يجب عليه استصحاب حكمها في مدة عمره . فهي بالنسبة إلى العمر كالإمساك عن المفطرات في صوم اليوم . فإذا أمسك معظم النهار ، ثم نقض إمساكه بالمفطرات : بطل ما تقدم من صيامه ، ولم يعتدّ به ، وكان بمنزلة من لم يمسك شيئا من يومه . قالوا : ويدل على هذا : الحديث الصحيح . وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها » وهذا أعم من أن يكون هذا العمل الثاني كفرا موجبا للخلود ، أو معصية موجبة للدخول . فإنه لم يقل « فيرتد فيفارق الإسلام » وإنما أخبر : أنه يعمل بعمل يوجب له النار . وفي بعض السنن « إن العبد ليعمل بطاعة اللّه ستين سنة ، فإذا كان عند الموت جار في وصيته فدخل النار » فالخاتمة السيئة أعم من أن تكون خاتمة بكفر أو بمعصية . والأعمال بالخواتيم . فإن قيل : فهذا يلزم منه إحباط الحسنات بالسيئات ، وهذا قول المعتزلة ، والقرآن والسنة قد دلّا على أن الحسنات هي التي تحبط السيئات لا العكس ، كما قال تعالى : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [ هود : 114 ] وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لمعاذ « اتق اللّه حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن » . قيل : والقرآن والسنة ، قد دلّا على الموازنة . وإحباط الحسنات بالسيئات فلا يضرب كتاب اللّه بعضه ببعض . ولا يرد القرآن بمجرد كون المعتزلة قالوه - فعل أهل الهوى والتعصب - بل نقبل الحق ممن قاله . ونرد الباطل على من قاله . فأما الموازنة : فمذكورة في سورة الأعراف والأنبياء والمؤمنين والقارعة ، والحاقّة « 1 » .
--> ( 1 ) انظر الآيات ( 7 و 8 و 9 ) من سورة الأعراف والآية 47 من سورة الأنبياء . والآيات ( 101 و 111 ) سورة المؤمنون . وسورة القارعة . والآيات ( 19 و 37 ) من سوة الحاقة .