ابن قيم الجوزية
169
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ومنهم من يقول : « استغراق رسم العبد في وجود الحق » يشيرون إلى الفناء في حضرة الجمع . والغالب على اصطلاحهم : أنه من الإقبال على اللّه بالمراقبة ، والحضور والفناء في الوحدانية . ويقولون : هو صاحب وقت مع اللّه . فخصوا « الوقت » بهذا الاسم تخصيصا للفظ العام ببعض أفراده . وإلا فكل من هو مشغول بأمر يعنى به فان في شهوده وطلبه . فله وقت معه . بل أوقاته مستغرقة فيه . فتوبة هؤلاء من إضاعة هذا الوقت الخاص الذي هو وقت وجد صادق ، وحال صحيحة مع اللّه لا يكدرها الأغيار . وربما يمر بك إشباع القول في « الوقت » والفرق بين الصحيح منه والفاسد فيما بعد إن شاء اللّه . والقصد : أن إضاعة الوقت الصحيح يدعو إلى درك النقيصة ، إذ صاحب حفظه مترقّ على درجات الكمال فإذا أضاعه لم يقف موضعه بل ينزل إلى درجات من النقص . فإن لم يكن في تقدم فهو متأخر ولا بد . فالعبد سائر لا واقف . فإما إلى فوق . وإما إلى أسفل . إما إلى أمام وإما إلى وراء . وليس في الطبيعة ، ولا في الشريعة وقوف البتة . ما هو إلا مراحل تطوي أسرع طيّ إلى الجنة أو إلى النار ، فمسرع ومبطىء . ومتقدم ومتأخر . وليس في الطريق واقف البتة . وإنما يتخالفون في جهة المسير . وفي السرعة والبطء إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ ( 35 ) نَذِيراً لِلْبَشَرِ ( 36 ) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ( 37 ) [ المدّثّر : 35 ، 37 ] ولم يذكر واقفا . إذ لا منزل بين الجنة والنار . ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة . فمن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة . فإن قلت : كل مجد في طلب شيء لا بد أن يعرض له وقفة وفتور . ثم ينهض إلى طلبه . قلت : لا بد من ذلك . ولكن صاحب الوقفة له حالان : إما أن يقف ليجمّ نفسه ، ويعدها للسير . فهذا وقفته سير . ولا تضره الوقفة . فإن « لكل عمل شرّة ، ولكل شرة فترة » . وإما أن يقف لداع دعاه من ورائه ، وجاذب جذبه من خلفه . فإن أجابه أخّره ولا بد . فإن تداركه اللّه برحمته ، وأطلعه على سبق الركب له وعلى تأخره ، نهض نهضة الغضبان الآسف على الانقطاع . ووثب وجمز واشتد سعيا ليلحق الركب . وإن استمر مع داعي التأخر ، وأصغى إليه لم يرض برده إلى حالته الأولى من الغفلة ، وإجابة داعي الهوى ، حتى يرده إلى أسوأ منها وأنزل دركا . وهو بمنزلة النكسة الشديدة عقيب الإبلال من المرض . فإنها أخطر منه وأصعب . وبالجملة : فإن تدارك اللّه سبحانه وتعالى هذا العبد بجذبة منه من يد عدوه ، وتخليصه . وإلا فهو في تأخر إلى الممات . راجع القهقرى ، ناكص على عقبيه ، أو مول ظهره . ولا قوة إلا باللّه . والمعصوم من عصمه اللّه . وقوله « ويطفئ نور المراقبة » . يعني أن المراقبة تعطي نورا كاشفا لحقائق المعرفة والعبودية . وإضاعة الوقت تغطي ذلك النور . وتكدر عين الصحبة مع اللّه . فإن صاحب الوقت مع صحبة اللّه . وله مع اللّه معية خاصة ، بحسب حفظه وقته مع اللّه . فإن كان مع اللّه كان اللّه معه . فإذا أضاع وقته كدّر عين هذه المعية