ابن قيم الجوزية
170
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الخاصة . وتعرض لقطع هذه الصحبة . فلا شيء أضر على العارف باللّه من إضاعة وقته مع اللّه . ويخشى عليه إن لم يتداركه بالرجوع : أن تستمر الإضاعة إلى يوم القيامة . فتكون حسرته وندامته أعظم من حسرة غيره وندامته . وحجابه عن اللّه أشد من حجاب من سواه . ويكون حاله شبيها بحال قوم يؤمر بهم إلى الجنة ، حتى إذا عاينوها وشاهدوا ما فيها ، صرفت وجوههم عنها إلى النار . فإذن توبة الخواص تكون من تضييع أوقاتهم مع اللّه التي تدعو إلى هذه الأمور . وفوق هذا مقام آخر من التوبة ، أرفع منه وأخصّ . لا يعرفه إلا الخواصّ المحبون ، الذين يستقلون في حق محبوبهم جميع أعمالهم وأحوالهم وأقوالهم . فلا يرونها قط إلا بعين النقص والإزراء عليها . ويرون شأن محبوبهم أعظم ، وقدره أعلى من أن يرضوا نفوسهم وأعمالهم له . فهم أشد شيء احتقارا لها ، وإزراء عليها . وإذا غفلوا عن مراد محبوبهم منهم ، ولم يوفوه حقه ، تابوا إليه من ذلك توبة أرباب الكبائر منها . فالتوبة لا تفارقهم أبدا . وتوبتهم لون وتوبة غيرهم لون وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ يوسف : 76 ] وكلما ازدادوا حبا له ازدادوا معرفة بحقه ، وشهودا لتقصيرهم . فعظمت لذلك توبتهم . ولذلك كان خوفهم أشد . وإزراؤهم على أنفسهم أعظم . وما يتوب منه هؤلاء قد يكون من كبار حسنات غيرهم . وبالجملة : فتوبة المحبين الصادقين العارفين بربهم وبحقه : هي التوبة . وسواهم محجوب عنها . وفوق هذه توبة أخرى ، الأولى بنا الإضراب عنها صفحا . التوبة من الغفلة قال صاحب المنازل . « ولا يتم مقام التوبة إلا بالانتهاء إلى التوبة مما دون الحق . ثم رؤية علة التوبة . ثم التوبة من رؤية تلك العلة » . التوبة مما دون اللّه : أن يخرج العبد بقلبه عن إرادة ما سوى اللّه تعالى . فيعبده وحده لا شريك له بأمره وباستعانته . فيكون كله له وبه . وهذا أمر لا يصح إلا لمن استولى عليه سلطان المحبة . فامتلأ قلبه من اللّه محبة له وإجلالا وتعظيما ، وذلّا وخضوعا وانكسارا بين يديه ، وافتقارا إليه . فإذا صح له ذلك بقيت عليه عندهم بقية أخرى ، هي علة في توبته . وهي شعوره بها ، ورؤيته لها ، وعدم فنائه عنها . وذلك بالنسبة إلى مقامه وحاله ذنب . فيتوب من هذه الرؤية . فهاهنا ثلاثة أمور : توبته مما سوى اللّه . ورؤيته هذه التوبة ، وهي علتها . وتوبته من رؤية تلك الرؤية . وهذا عند القوم الغاية التي لا شيء بعدها ، والنهاية التي لا تكون إلا لخاصة الخاصة . ولعمر اللّه إن رؤية العبد فعله ، واحتجابه به عن ربه ، ومشاهدته له : علة في طريقه موجبة للتوبة . وأما رؤيته له واقعا بمنة اللّه وفضله ، وحوله وقوته وإعانته : فهذا أكمل من غيبته عنه . وهو أكمل من المقام الذي يشيرون إليه ، وأتم عبودية ، وأدعى للمحبة وشهود المنة . إذ يستحيل شهود المنة على شيء لا شعور للشاهد به البتة .