ابن قيم الجوزية
164
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
والثواب بحسناتهم وطاعاتهم . فإن ظنهم أن حصول النجاة والثواب بطاعاتهم ، واستكثارهم منها لذلك ، وكثرتها في عيونهم إظهار للاستغناء عن مغفرة اللّه وعفوه . وذلك عين الجبروت والتوثب على اللّه . ولا ريب أن مجرد القيام بأعمال الجوارح ، من غير حضور ولا مراقبة ، ولا إقبال على اللّه ، قد يتضمن تلك المفاسد الثلاث وغيرها ، مع أنه قليل المنفعة دنيا وأخرى ، كثير المؤنة . فهو كالعمل على غير متابعة الأمر والإخلاص للمعبود . فإنه - وإن كثر - متعب غير مفيد . فهكذا العمل الخارجي القشوري بمنزلة النخالة الكثيرة المنظر القليلة الفائدة . فإن اللّه لا يكتب للعبد من صلاته إلا ما عقل منها . وهكذا ينبغي أن يكون سائر الأعمال التي يؤمر بالحضور فيها والخشوع ، كالطواف ، وأعمال المناسك ونحوها . فإن انضاف إلى ذلك إحسان ظنه بها ، واستكثارها ، وعدم التفاته إلى عيوبها ونقائصها ، والتوبة إلى اللّه ، واستغفاره منها : جاءت تلك المفاسد التي ذكرها وما هو أكثر منها . وقد ظن بعض الشارحين لكلامه : أن مراده : الإزراء بالاستكثار من الطاعات ، وأن مجرد الفناء والشهود والاستغراق في حضرة المراقبة خير منها وأنفع وهذا باطل وكذب عليه وعلى الطريقة والحقيقة « 1 » . ولا ريب أن هذه طريقة المنحرفين من السالكين . وهو تعبد بمراد العبد وحظه من اللّه وتقديم له على مراد اللّه ومحابه من العبد . فإن للعبد حظا . وعليه حقا . فحق اللّه عليه : تنفيذ أوامره والقيام بها ، والاستكثار من طاعاته بحسب الإمكان . والاشتغال بمحاربة أعدائه ومجادلتهم ، ولو فرق ذلك جمعيته وشتت حضوره . فهذا هو العبودية التي هي مراد اللّه « 2 » . وأما الجمعية والمراقبة والاستغراق في الفناء ، وتعطيل الحواس والجوارح عن إرسالها في الطاعات ، والاستكثار منها : فهذا مجرد حظ العبد ومراده ، وهو - بلا شك - أنعم وألذ وأطيب من تفرقة الاستكثار من الطاعات ، لا سيما إذا شهدوا تفرقة المستكثرين منها ، وقلة نصيبهم من الجمعية . فإنهم تشتد نفرتهم منهم . ويعيبون عليهم ، ويزرون بهم . وقد يسمون من رأوه كثير الصلاة « ثقاقيل الحصر » ومن رأوه كثير الطواف « حمر المدار » « 3 » ونحو ذلك . وقد أخبرني من رأى ابن سبعين « 4 » قاعدا في طرف المسجد الحرام . وهو يسخر من
--> ( 1 ) أما كذب عليه فربما . وأما كذب على الطريقة والحقيقة الصوفية فلا . ( 2 ) وهل يصح عند ذوي الألباب أن تفرق العبادة الخالصة العبد عن ربه ؟ إن صدقت العبادة ، وكانت حسنة كما يحب اللّه : كانت أقوى جامع للعبد مع ربه . وكانت حائلة بينه وبين الشيطان عدوه وحصنا وحصينا له منه . ( 3 ) « ثقاقيل الحصر » الذين يثقلون على حصر المساجد ، ويلزمونها ، لكثرة صلاتهم ، و « حمر المدآر » الحمير التي تدور بالرحى ونحوها . ( 4 ) هو عبد الحق المرسي الأندلسي . كان فقيها . ثم انتحل التصوف على حقيقته الفلسفية . وبلغ إلى لبه من وحدة الوجود . وهتف بها . فكان من أصرح الدعاة إليها . واشتهر عنه أنه كان يقول : لقد تحجر ابن آمنة -