ابن قيم الجوزية

165

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الطائفين ويذمهم . ويقول : كأنهم الحمر حول المدار . ونحو هذا . وكان يقول : إقبالهم على الجمعية أفضل لهم . ولا ريب أن هؤلاء مؤثرون لحظوظهم على حقوق ربهم ، واقفون مع أذواقهم ومواجيدهم . فانين بها عن حق اللّه ومراده . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يحكي عن بعض العارفين أنه قال : العامة يعبدون اللّه ، وهؤلاء يعبدون نفوسهم . وصدق - رحمه اللّه - فإن هؤلاء المستكثرين من الطاعات الذائقين لروح العبادة ، الراجين ثوابها ، قد رفع لهم علم الثواب ، وأنه مسبب عن الأعمال . فشمروا إليه ، راجين أن تقبل منهم أعمالهم - على عيبها ونقصها - بفضل اللّه ، خائفين أن ترد عليهم . إذ لا تصلح للّه ولا تليق به . فيردها بعدله وحقه . فهم مستكثرون بجهدهم من طاعاته بين خوفه ورجائه ، والإزراء على أنفسهم ، والحرص على استعمال جوارحهم في كل وجه من وجوه الطاعات . رجاء مغفرته ورحمته ، وطمعا في النجاة . فهم يقاتلون بكل سلاح لعلهم ينجون . قالوا : وأما ما أنتم فيه من الفناء ، ومشاهدة الحقيقة والقيومية ، والاستغراق في ذلك : فنحن في شغل عنه بتنفيذ أوامر صاحب الحقيقة والقيومية ، والاستكثار من طاعاته ، وتصريف الجوارح في مرضاته ، كما أنكم - بفنائكم واستغراقكم في شهود الحقيقة وحضرة الربوبية - في شغل عما نحن فيه . فكيف كنتم أولى باللّه منا ، ونحن في حقوقه ومراده منا ، وأنتم في حظوظكم ومرادكم منه ؟ قالوا : وقد ضرب لنا ولكم مثل مطابق لمن تأمله : بملك ادعى محبته مملوكان من مماليكه ، فاستحضرهما وسألهما عن ذلك ؟ فقالا : أنت أحب شيء إلينا ، ولا نؤثر عليك غيرك . فقال : إن كنتما صادقين فاذهبا إلى سائر مماليكي وعرّفاهم بحقوقي عليهم ، وأخبراهم بما يرضيني عنهم ، ويسخطني عليهم ، وابذلا قواكما في تخليصهم من مساخطي . ونفّذا فيهم أوامري . واصبرا على أذاهم . وعودا مريضهم . وشيّعا ميتهم . وأعينا ضعيفهم بقواكما ، وأموالكما وجاهكما . ثم اذهبا إلى بلاد أعدائي بهذه الملطّفات وخالطوهم ، وادعوهم إلى موالاتي ، واشتغلا بهم ، ولا تخافوهم . فعندهم من جندي وأوليائي من يكفيكما شرهم . فأما أحد المملوكين : فقام مبادرا إلى امتثال أمره . وبعد عن حضرته في طلب مرضاته . وأما الآخر ، فقال له : لقد غلب على قلبي من محبتك ، والاستغراق في مشاهدة حضرتك وجمالك ما لا أقدر معه على مفارقة حضرتك ومشاهدتك . فقال له : إن رضائي في أن تذهب مع صاحبك ، فتفعل كما فعل ، وإن بعدت عن مشاهدتي . فقال : لا أؤثر على مشاهدتك والاستغراق فيك شيئا .

--> - واسعا بقوله : « لا نبي بعدي » ؛ فتجرأ على التصريح بما لم يتجرأ عليه أمثاله من الصوفية الذين يدينون بهذا المذهب . فإنهم يكنون ويعمون . ولد سنة 614 ومات سنة 669 .