ابن قيم الجوزية
156
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وهذا من أقبح الجهل « 1 » . فإن هذا داخل في جواب « لو » التي ينتفي بها الملزوم - وهو المقدم - لانتفاء اللازم . وهو الجواب . وهو التالي . فانتفاء جعل الرسول ملكا - كما اقترحوه - لانتفاء التلبيس من اللّه عليهم . والكفار كانوا قد قالوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [ الأنعام : 8 ] أي نعاينه ونراه . وإلا فالملك لم يزل يأتيه من عند اللّه بأمره ونهيه . فهم اقترحوا نزول ملك يعاينونه . فأخبر سبحانه عن الحكمة التي لأجلها لم يجعل رسوله إليهم من الملائكة . ولا أنزل ملكا يرونه . فقال : وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ [ الأنعام : 8 ] أي لوجب العذاب وفرغ من الأمر . ثم لا يمهلون إن أقاموا على التكذيب . وهذا نظير قوله في سورة الحجر : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ( 6 ) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 7 ) [ الحجر : 6 ، 7 ] قال اللّه عزّ وجلّ : ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ( 8 ) [ الحجر : 8 ] و « الحق » ههنا العذاب . ثم قال : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا [ الأنعام : 9 ] أي لو أنزلنا عليهم ملكا لجعلناه في صورة آدمي ، إذ لا يستطيعون التلقي عن الملك في صورته التي هو عليها . وحينئذ فيقع اللبس منا عليهم ، لأنهم لا يدرون : أرجل هو ، أم ملك ؟ ولو جعلناه رجلا لخلطنا عليهم ، وشبهنا عليهم الذي طلبوه بغيره . وقوله « ما يلبسون » فيه قولان : أحدهما : أنه جزاء لهم على لبسهم على ضعفائهم . والمعنى : أنهم شبهوا على ضعفائهم ، ولبّسوا عليهم الحق بالباطل ، فشبّه عليهم . وتلبّس عليهم الملك بالرجل . والثاني : أنا نلبس عليهم ما لبسوا على أنفسهم . وأنهم خلطوا على أنفسهم . ولم يؤمنوا بالرسول منهم ، بعد معرفتهم صدقه . وطلبوا رسولا ملكيا يعاينونه . وهذا تلبيس منهم على أنفسهم . فلو أجبناهم إلى ما اقترحوه لم يؤمنوا عنده . وللبسنا عليهم لبسهم على أنفسهم . وأي تعلق لهذا بالتلبيس الذي ذكرته هذه الطائفة من تعليق الكائنات والمثوبات والعقوبات بالأسباب ، وتعليق المعارف بالوسائط ، والقضايا بالحجج ، والأحكام والعلل ، والانتقام بالجنايات ، والمثوبات بالطاعات ، مما هو محض الحكمة وموجبها . وأثر اسمه « الحكيم » في الخلق والأمر : إنما قام بالأسباب ، وكذلك الدنيا والآخرة . وكذلك الثواب والعقاب . فجعل الأسباب منصوبة للتلبيس من أعظم الباطل شرعا وقدرا . وإن الذي أوقع هؤلاء في هذا الغلو : هو نفرتهم من أرباب الفرق الأول ، ومشاهدتهم قبح ما هم عليه . وهم - لعمر اللّه - خير منهم ، مع ما هم عليه . فإنهم مقرون بالجمع والفرق ، وأن اللّه رب كل شيء ، ومليكه وخالقه ، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وأنه فرّق بين المأمور والمحظور ، والمحبوب والمكروه . وإن كانوا كثيرا ما يفرقون بأهوائهم ونفوسهم . فهم في فرقهم النفسي : خير من أهل هذا الجمع . إذ هم مقرون أن اللّه يأمر بالحسنات ويحبها . وينهى عن السيئات ويبغضها . وإذا فرقوا بحسب أهوائهم ، وفرقوا بنفوسهم لم يجعلوا هذا الفرق دينا يسقط عنهم
--> ( 1 ) بل من أشنع الكفر .