ابن قيم الجوزية

157

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

أمر اللّه ونهيه . بل يعترفون أنه ذنب قبيح ، وأنهم مقصرون . بل مفرطون في الفرق الشرعي . ونهاية ما معهم : صحة إيمان مع غفلة وفرق نفساني . وأولئك معهم جمع ، وشهود يصحبه فساد إيمان ، وخروج عن الدين . ومن العجب : أنهم فروا من فرق أولئك النفسي إلى جمع أسقط التفرقة الشرعية . ثم آل أمرهم إلى أن صار فرقهم كله نفسيا . فهم في الحقيقة راجعون إلى فرقهم ، ولا بد . فإن الفرق أمر ضروري للإنسان ولا بد . فمن لم يفرق بالشرع فرق بالنفس والهوى . فهم أعظم الناس اتباعا لأهوائهم . يميلون مع الهوى حيث مال بهم ويزعمون أنه الحقيقة . وبالجملة : فلهذا السلوك لوازم عظيمة البطلان . منافية للإيمان . جالبة للخسران أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [ المائدة : 60 ] . وآخر أمر صاحبه : الفناء في شهود الحقيقة العامة المشتركة بين الأبرار والفجار وبين الملائكة والشياطين ، وبين الرسل وأعدائهم . وهي الحقيقة الكونية القدرية . ومن وقف معها ولم يصعد إلى الفرق الثاني - وهو الحقيقة الدينية النبوية - فهو زنديق كافر . الرد على من زعم سقوط الأمر والنهي ومنهم : من لم ير إسقاط الفرق الثاني جملة . بل إنما يسقطه عن الواصل إلى عين الجمع ، الشاهد للحقيقة . وما دام سالكا ، أو محجوبا عن شهود الحقيقة : فالفرق لازم له . وهؤلاء أيضا من جنس الفريق الأول ، بل هم خواصهم . فإذا وصل واصلهم إلى شهود حقيقة الجمع : لم يجب عليه القيام بتفرقة الأوامر . وإن قام بها فلحفظ المرتبة ، وضبط الناموس ، وحفظ السالكين عن الذهاب مع الفرق الطبيعي ، قبل شهودهم الحقيقة . ويسمون هذه الحال « تلبيسا » وقد تقدم ذكره . وسيأتي إن شاء اللّه تعالى كشف هذا « التلبيس » الذي يشيرون إليه كشفا بينا . وقد تقدم أنهم يحتجون على سقوط الفرق عمن شهد الحقيقة بقوله تعالى : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر : 99 ] . ويقولون : إن الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - كان في هذا المقام . وإنما كان في قيامه بالأعمال تشريعا . وقد ذكرنا أن « اليقين » الموت . وأنه من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام : أن الأوامر والنواهي لا تسقط عن العبد ما دام في دار التكليف ، إلا إذا زال عقله وصار مجنونا . ومنهم : من يرى القيام بالأوامر والنواهي واجبا إذا لم تفرق جمعيته . فإذا فرقت جمعيته رأى الجمعية أوجب منها . فيزعم أنه يترك واجبا لما هو أوجب منه . وهذا أيضا جهل وضلال . فإن رأى أن الأمر لم يتوجه إليه في حال الجمعية فهو كافر . وإن علم توجهه إليه ، وأقدم على تركه . فله حكم أمثاله من العصاة والفساق . ومنهم : من يرى الأمر لا يسقط عنه . ولكن إذا ورد عليه وارد الفناء والجمع غيّب عقله واصطلمه . فلم يشعر بوقت الواجب ولا حضوره ، حتى يفوته فيقضيه . فهذا متى استدعى ذلك الفناء وطلبه ، فليس بمعذور في اصطلامه . بل هو عاص للّه في استدعائه ما يعرضه لإضاعة حقه .