ابن قيم الجوزية

155

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ويمنعه من موجبها مع بقائها عليه ، ليعلم خلقه أنه الفعال لما يريد ، وأنه لا مستقل بالفعل والتأثير غير مشيئته ، وأن التعلق بالسبب دونه كالتعلق ببيت العنكبوت ، مع كونه سببا . وهذا باب عظيم نافع في التوحيد ، وإثبات الحكم . يوجب للعبد - إذا تبصر فيه - الصعود من الأسباب إلى مسببها . والتعلق به دونها ، وأنها لا تضر ولا تنفع إلا بإذنه ، وأنه إذا شاء جعل نافعها ضارا وضارها نافعا ، ودواءها داء وداءها دواء . فالالتفات إليها بالكلية شرك مناف للتوحيد ، وإنكار أن تكون أسبابا بالكلية قدح في الشرع والحكمة . والإعراض عنها - مع العلم بكونها أسبابا - نقصان في العقل . وتنزيلها منازلها ، ومدافعة بعضها ببعض ، وتسليط بعضها على بعض ، وشهود الجمع في تفرقها ، والقيام بها : هو محض العبودية والمعرفة ، وإثبات التوحيد والشرع والقدر والحكمة . واللّه أعلم . غلط السالكين وأما غلط من غلط من أرباب السلوك والإرادة في هذا الباب : فحيث ظنوا أن شهود الحقيقة الكونية ، والفناء في توحيد الربوبية ، من مقامات العارفين . بل أجلّ مقاماتهم . فساروا شائمين لبرق هذا الشهود . سالكين لأودية الفناء فيه . وحثّهم على هذا السير ، ورغّبهم فيه : ما شهدوه من حال أرباب الفرق الطبعي فأنفوا من صحبتهم في الطريق . ورأوا مفارقتهم فرض عين لا بد منه . فلما عرض لهم الفرق الشرعي في طريقهم . ورد عليهم منه أعظم وارد فرّق جمعيتهم ، وقسّم وحدة عزيمتهم ، وحال بينهم وبين عين الجمع ، الذي هو نهاية منازل سيرهم . فافترقت طرقهم في هذا الوارد العظيم . فمنهم من اقتحمه ولم يلتفت إليه . وقال : الاشتغال بالأوراد عن عين المورود انقطاع عن الغاية . والقصد من الأوراد : الجمعية على الآمر . فما الاشتغال عن المقصود بالوسيلة بعد الوصول إليه ، والرجوع من حضرته إلى منازل السفر إليه ؟ وربما أنشد بعضهم : يطالب بالأوراد من كان غافلا * فكيف بقلب كل أوقاته ورد ؟ فإذا اضطر أحدهم إلى التفرقة بوارد الأمر قال : ينبغي أن يكون الفرق على اللسان موجودا ، والجمع في القلب مشهودا . ثم من هؤلاء : من يسقط الأوامر والنواهي جملة . ويرى القيام بها من باب ضبط ناموس الشرع ، ومصلحة العموم ، ومبادئ السير . فهي التي تحث أهل الغفلة على التشمير للسير . فإذا جدّ في المسير استغنى بقربه وجمعيته عنها . ومنهم : من لا يرى سقوطها إلا عمن شهد الحقيقة الكونية ، ووصل إلى مقام الفناء فيها . فمن كان هذا مشهده ، سقط عنه الأمر والنهي عندهم . وقد يقولون : شهود الإرادة يسقط الأمر . وفي هذا المشهد يقولون : العارف لا يستقبح قبيحة . ولا يستحسن حسنة . ويقول قائلهم : العارف لا ينكر منكرا . لاستبصاره بسر اللّه في القدر . ويقولون : القيام بالعبادة مقام التلبيس . ويحتجون بقوله تعالى : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [ الأنعام : 9 ] .