ابن قيم الجوزية
154
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ونفاة التعليل والأسباب والحكم ، وحسن الأفعال وقبحها يقولون : ما ثم إلا محض المشيئة ، لا أن بعض الأعمال يبطل بعضا ، وليس فيها ما هو قبيح لعينه ، حتى يشبه بقبيح آخر . وليس فيها ما هو منشأ لمفسدة أو مصلحة تكون سببا لها . ولا لها علل غائية هي مفضية إليها . وإنما هي متعلّق المشيئة ، والإرادة والأمر والنهي فقط . رأي الفقه والطب والفقهاء لا يمكنهم البناء على هذه الطريقة البتة . فكلهم مجمعون - إذا تكلموا بلسان الفقه - على بطلانها . إذ يتكلمون في العلل والمناسبات الداعية لشرع الحكم . ويفرقون بين المصالح الخالصة والراجحة والمرجوحة ، والمفاسد التي هي كذلك ، ويقدمون أرجح المصلحتين على مرجوحهما ، ويدفعون أقوى المفسدتين باحتمال أدناهما ، ولا يتم لهم ذلك إلا باستخراج الحكم والعلل ، ومعرفة المصالح والمفاسد الناشئة من الأفعال ، ومعرفة ربها . وكذلك الأطباء لا يصلح لهم علم الطب وعمله إلا بمعرفة قوى الأدوية والأمزجة ، والأغذية وطبائعها ، ونسبة بعضها إلى بعض ، ومقدار تأثير بعضها في بعض ، وانفعال بعضها عن بعض ، والموازنة بين قوة الدواء وقوة المرض وقوة المريض ، ودفع الضد بضده ، وحفظ ما يريدون حفظه بمثله ومناسبه . فصناعة الطب وعمله مبني على معرفة الأسباب والعلل ، والقوى والطبائع والخواص . فلو نفوا ذلك وأبطلوه ، وأحالوا على محض المشيئة وصرف الإرادة المجردة عن الأسباب والعلل . وجعلوا حقيقة النار مساوية لحقيقة الماء ، وحقيقة الدواء مساوية لحقيقة الغذاء ، ليس في أحدهما خاصية ولا قوة يتميز بها عن الآخر ، لفسد علم الطب ، ولبطلت حكمة اللّه فيه ، بل العالم مربوط بالأسباب والقوى ، والعلل الفاعلية والغائية . وعلى هذا قام الوجود بتقدير العزيز العليم ، والكل مربوط بقضائه وقدره ومشيئته . ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . فإذا شاء سلب قوة الجسم الفاعل منه ومنع تأثيرها . وإذا شاء جعل في الجسم المنفعل قوة تدفعها وتمنع موجبها مع بقائها . وهذا لكمال قدرته ونفوذ مشيئته . والناس في الأسباب والقوى والطبائع ثلاثة أقسام : منهم : من بالغ في نفيها وإنكارها ، فأضحك العقلاء على عقله ، وزعم أنه بذلك ينصر الشرع ، فجنى على العقل والشرع ، وسلط خصمه عليه . ومنهم : من ربط العالم العلوي والسفلي بها بدون ارتباطها بمشيئة فاعل مختار ، ومدبر لها يصرفها كيف أراد . فيسلب قوة هذا ويقيم لقوة هذا قوة تعارضه . ويكف قوة هذا عن التأثير مع بقائها ، ويتصرف فيها كما يشاء ويختار . والناس في الأسباب والقوى والطبائع ثلاثة أقسام وهذان طرفان جائران عن الصواب . ومنهم : من أثبتها خلقا وأمرا ، قدرا وشرعا . وأنزلها بالمحل الذي أنزلها اللّه به ، من كونها تحت تدبيره ومشيئته . وهي طوع المشيئة والإرادة ، ومحل جريان حكمها عليها . فيقوّي سبحانه بعضها ببعض . ويبطل - إن شاء - بعضها ببعض . ويسلب بعضها قوته وسببيته ، ويعريها منها ،