ابن قيم الجوزية

153

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

سلم كله له . فهل يصح في العقول استواء حال العبدين ؟ فكذلك حال المشرك والموحد الذي قد سلمت عبوديته لإله الحق ؟ لا يستويان . وكذلك قوله تعالى ممثلا لقبح الرياء المبطل للعمل ، والمنّ والأذى المبطل للصدقات ب صَفْوانٍ [ البقرة : 264 ] وهو الحجر الأملس عَلَيْهِ تُرابٌ [ البقرة : 264 ] غبار قد لصق به فأصابه مطر شديد فأزال ما عليه من التراب فَتَرَكَهُ صَلْداً [ البقرة : 264 ] أملس لا شيء عليه . وهذا المثل في غاية المطابقة لمن فهمه . ف « الصفوان » وهو الحجر . كقلب المرائي والمانّ والمؤذي . و « التراب » الذي لصق به ما تعلق به من أثر عمله وصدقته . و « الوابل » المطر الذي به حياة الأرض . فإذا صادفها ليّنة قابلة : نبت فيها الكلأ وإذا صادف الصخور والحجارة الصّم : لم ينبت فيها شيئا . فجاء هذا الوابل إلى التراب الذي على الحجر ، فصادفه رقيقا ، فأزاله . فأفضى إلى حجر غير قابل للنبات . وهذا يدل على أن قبح « المنّ ، والأذى ، والرياء » مستقر في العقول . فلذلك نبهها على شبهه ومثاله . وعكس ذلك قوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 265 ) [ البقرة : 265 ] فإن كانت هذه الجنة - التي بموضع عال ، حيث لا تحجب عنها الشمس والرياح ، وقد أصابها مطر شديد . فأخرجت ثمرتها ضعفي ما يخرج غيرها - إن كانت مستحسنة في العقل والحس . فكذلك نفقة من أنفق ماله لوجه اللّه ، لا لجزاء من الخلق ، ولا لشكور ، بل بثبات من نفسه ، وقوة على الإنفاق ، لا يخرج النفقة وقلبه يرجف على خروجها ، ويداه ترتعشان ، ويضعف قلبه ، ويخور عند الإنفاق . بخلاف نفقة صاحب التثبيت والقوة . ولما كان الناس في الإنفاق على هذين القسمين : كان مثل نفقة صاحب الإخلاص والقوة والتثبيت : كمثل الوابل . ومثل نفقة الآخر كمثل الطل ، وهو المطر الضعيف . فهذا بحسب كثرة الإنفاق وقلته . وكمال الإخلاص والقوة واليقين فيه وضعفه . أفلا تراه سبحانه نبّه العقول على ما فيها من استحسان هذا ، واستقباح فعل الأول ؟ وكذلك قوله : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [ البقرة : 266 ] فنبه سبحانه العقول على ما فيها من قبح الأعمال السيئة التي تحبط ثواب الحسنات ، وشبّهها بحال شيخ كبير له ذرية ضعفاء ، بحيث يخشى عليهم الضّيعة وعلى نفسه . وله بستان هو مادّة عيشه وعيش ذريته ، فيه النخيل والأعناب ومن كل الثمرات . فأرجى وأفقر ما هو له وأسرّ ما كان به إذ أصابه نار شديدة فأحرقته . فنبه العقول على أن قبح المعاصي التي تغرق الطاعات كقبح هذه الحال . وبهذا فسرها عمر ، وابن عباس رضي اللّه عنهم « لرجل غني عمل بطاعة اللّه زمانا ، فبعث اللّه له الشيطان ، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله » ذكره البخاري في « صحيحه » . أفلا تراه نبه العقول على قبح المعصية بعد الطاعة ، وضرب لقبحها هذا المثل ؟