ابن قيم الجوزية
152
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فيا عجبا ! أي فائدة تبقى في تلك الأمثال والحجج ، والبراهين الدالة على قبحه في صريح العقول والفطر ؟ وأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم ؟ وأي شيء يصح في العقل إذا لم يكن فيه علم بقبح الشرك الذاتي ، وأن العلم بقبحه بديهي معلوم بضرورة العقل ، وأن الرسل نبهوا الأمم على ما في عقولهم وفطرهم من قبحه ، وأن أصحابه ليست لهم عقول ولا ألباب ولا أفئدة . بل نفى عنهم السمع والبصر . والمراد : سمع القلب وبصره . فأخبر أنهم صم بكم عمي . وذلك وصف قلوبهم أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق . وشبههم بالأنعام التي لا عقول لها تميز بها بين الحسن والقبيح ، والحق والباطل . ولذلك اعترفوا في النار بأنهم لم يكونوا من أهل السمع والعقل « 1 » . وأنهم لو رجعوا إلى أسماعهم وعقولهم لعلموا حسن ما جاءت به الرسل وقبح مخالفتهم . قال اللّه تعالى حاكيا عنهم : وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ ( 10 ) [ الملك : 10 ] وكم يقول لهم في كتابه أَ فَلا تَعْقِلُونَ [ البقرة : 44 ] لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ البقرة : 73 ] . فينبههم على ما في عقولهم وفطرهم من الحسن والقبيح . ويحتج عليهم بها ، ويخبر أنه أعطاهموها لينتفعوا بها ، ويميزوا بها بين الحسن والقبيح والحق والباطل . وكم في القرآن من مثل عقليّ وحسيّ ينبه به العقول على حسن ما أمر به ، وقبح ما نهى عنه . فلو لم يكن في نفسه كذلك لم يكن لضرب الأمثال للعقول معنى ، ولكان إثبات ذلك بمجرد الأمر والنهي ، دون ضرب الأمثال ، وتبين جهة القبح المشهودة بالحسن والعقل . أمثال القرآن والقرآن مملوء بهذا لمن تدبره . كقوله تعالى : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 28 ) [ الرّوم : 28 ] يحتج سبحانه عليهم بما في عقولهم من قبح كون مملوك أحدهم شريكا له . فإذا كان أحدكم يستقبح أن يكون مملوكه شريكه ، ولا يرضى بذلك . فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء تعبدونهم كعبادتي ؟ وهذا يبين أن قبح عبادة غير اللّه تعالى مستقر في العقول والفطر . والسمع نبّه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك . وكذلك قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 29 ) [ الزّمر : 29 ] احتج سبحانه على قبح الشرك بما تعرفه العقول من الفرق بين حال مملوك يملكه أرباب متعاسرون سيئو الملكة ، وحال عبد يملكه سيد واحد قد
--> ( 1 ) يقول اللّه عنهم وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ( 12 ) [ السجدة : 12 ] ويقول : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 179 ) [ الأعراف : 179 ] إذ عطلوا نعم اللّه عليهم في السمع والبصر والفؤاد بالتقليد الأعمى للآباء والشيوخ . فكانوا غافلين عن سنن اللّه وآياته فيهم ورسالاته العلمية لهم ، زاعمين أن اللّه حرم عليهم النظر والتفكر والفهم لرسالاته . لأنه ظلمهم فحرمهم من أسباب الفهم . وأغلق دونهم بابه . فلما تبين لهم يومئذ ضلالهم قالوا للذين استكبروا : إنا كنا لكم تبعا . فهل أنتم مغنون عنّا نصيبنا من النار ؟ قال الذين استكبروا : إنا كلّ فيها . إن اللّه قد حكم بين العباد .