ابن قيم الجوزية
151
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ووعيده . المنكرون لأمره ونهيه . فأخبر أن ذلك يستلزم كون الخلق عبثا وباطلا ، وحكمته وعزته تأبى ذلك ، قال تعالى : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) [ المؤمنون : 115 ] أي لغير شيء ، لا تؤمرون ولا تنهون ، ولا تثابون ولا تعاقبون . والعبث قبيح . فدل على أن قبح هذا مستقر في الفطر والعقول ، ولذلك أنكره عليهم إنكار منبّه لهم على الرجوع إلى عقولهم وفطرهم ، وأنهم لو فكروا وأبصروا لعلموا أنه لا يليق به ، ولا يحسن منه أن يخلق خلقه عبثا ، لا لأمر ولا لنهي ، ولا لثواب ولا لعقاب . وهذا يدل على أن حسن الأمر والنهي والجزاء مستقر في العقول والفطر ، وأن من جوّز على اللّه الإخلال به فقد نسبه إلى ما لا يليق به ، وإلى ما تأباه أسماؤه الحسنى وصفاته العليا . وكذلك قوله تعالى : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) [ القيامة : 36 ] قال الشافعي : مهملا لا يؤمر ولا ينهى . وقال غيره : لا يثاب ولا يعاقب . وهما متلازمان . فأنكر على من يحسب ذلك ، فدل على أنه قبيح تأباه حكمته وعزته ، وأنه لا يليق به ، ولهذا استدل على أنه لا يتركه سدى بقوله : أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 ) [ القيامة : 37 ، 38 ] إلى آخر السورة . ولو كان قبحه إنما علم بالسمع لكان يستدل عليه بأنه خلاف السمع ، وخلاف ما أعلمناه وأخبرنا به . ولم يكن إنكاره لكونه قبيحا في نفسه ، بل لكونه خلاف ما أخبر به ، ومعلوم أن هذا ليس وجه الكلام . وكذلك قوله : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ ص : 27 ] والباطل الذي ظنوه : ليس هو الجمع بين النقيضين . بل الذي ظنوه : أنه لا شرع ولا جزاء ، ولا أمر ولا نهي ، ولا ثواب ولا عقاب . فأخبر أن خلقها لغير ذلك هو الباطل الذي تنزه عنه . وذلك هو الحق الذي خلقت به . وهو التوحيد . وحقّه وجزاؤه وجزاء من جحده وأشرك بربه . وقال تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 21 ) [ الجاثية : 21 ] فأنكر سبحانه هذا الحسبان إنكار منبه للعقل على قبحه ، وأنه حكم سيىء . والحاكم به مسيء ظالم . ولو كان قبحه لكونه خلاف ما أخبر به لم يكن الإنكار لما اشتمل عليه من القبح اللازم من التسوية بين المحسن والمسئ ، المستقر قبحه في فطر العالمين كلهم ، ولا كان هنا حكم سيىء في نفسه ينكر على من حكم به . وكذلك قوله : أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ( 28 ) [ ص : 28 ] وهذا استفهام إنكار . فدل على أن هذا قبيح في نفسه ، منكر تنكره العقول والفطر . أفتظنون أن ذلك يليق بنا أو يحسن منا فعله ؟ فأنكره سبحانه إنكار منبه للعقل والفطرة على قبحه . وأنه لا يليق باللّه نسبته إليه . وكذلك إنكاره سبحانه قبح الشرك به في إلهيته ، وعبادة غيره معه بما ضربه لهم من الأمثال ، وأقام على بطلانه من الأدلة العقلية ، ولو كان إنما قبح بالشرع لم يكن لتلك الأدلة والأمثال معنى . وعند نفاة التحسين والتقبيح : يجوز في العقل أن يأمر بالإشراك به وبعبادة غيره ! وإنما علم قبحه بمجرد النهي عنه .