ابن قيم الجوزية
150
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
رأيت منه مما دلك على أنه رسول اللّه ؟ قال : « ما أمر بشيء ، فقال العقل : ليته نهى عنه . ولا نهى عن شيء ، فقال العقل : ليته أمر به . ولا أحلّ شيئا . فقال العقل : ليته حرمه . ولا حرّم شيئا ، فقال العقل : ليته أباحه » فانظر إلى هذا الأعرابي ، وصحة عقله وفطرته ، وقوة إيمانه ، واستدلاله على صحة دعوته بمطابقة أمره لكل ما حسن في العقل . وكذلك مطابقة تحليله وتحريمه ولو كان جهة الحسن والقبح والطيب والخبث ، مجرد تعلق الأمر والنهي والإباحة والتحريم به ، لم يحسن منه هذا الجواب ، ولكان بمنزلة أن يقول : وجدته يأمر وينهى ، ويبيح ويحرم . وأي دليل في هذا ؟ كذلك قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [ النّحل : 90 ] . وهؤلاء يزعمون : أن الظلم في حق عباده هو المحرم والمنهي عنه ، لا أن هناك في نفس الأمر ظلما نهى عنه . وكذلك الظلم الذي نزه نفسه عنه هو الممتنع المستحيل ، لا أن هناك أمرا ممكنا مقدورا لو فعله لكان ظلما . فليس في نفس الأمر عندهم ظلم منهي عنه ولا منزه عنه . إنما هو المحرم في حقه . والمستحيل في حقه ، فالظلم المنزه عنه عندهم : هو الجمع بين النقيضين ، وجعل الجسم الواحد في مكانين في آن واحد ، ونحو ذلك . والقرآن صريح في إبطال هذا المذهب أيضا . قال اللّه تعالى : * قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ ق : 27 - 29 ] أي لا أؤاخذ عبدا بغير ذنب ، ولا أمنعه من أجر ما عمله من صالح . ولهذا قال قبله وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ [ ق : 28 ] المتضمن لإقامة الحجة ، وبلوغ الأمر والنهي . وإذا آخذتكم بعد التقدم فلست بظالم ، بخلاف من يؤاخذ العبد قبل التقدم إليه بأمره ونهيه . فذلك الظلم الذي تنزه اللّه سبحانه وتعالى عنه . وقال تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً ( 112 ) [ طه : 112 ] يعني لا يحمل عليه من سيئات ما لم يعمله ، ولا ينقص من حسنات ما عمل . ولو كان الظلم هو المستحيل الذي لا يمكن وجوده : لم يكن لعدم الخوف منه معنى ، ولا للأمن من وقوعه فائدة . وقال تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ( 46 ) [ فصّلت : 46 ] أي لا يحمل المسئ عقاب ما لم يعمله . ولا يمنع المحسن من ثواب عمله ، وقال تعالى : وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ( 117 ) [ هود : 117 ] فدل على أنه لو أهلكهم مع إصلاحهم لكان ظالما . وعندهم يجوز ذلك . وليس بظلم لو فعل ، ويؤولون الآية على أنه سبحانه أخبر أنه لا يهلكهم مع إصلاحهم ، وعلم أنه لا يفعل ذلك ، وخلاف خبره ومعلومه مستحيل . وذلك حقيقة الظلم . ومعلوم أن الآية لم يقصد بها هذا قطعا ، ولا أريد بها ، ولا تحتمله بوجه ، إذ يؤول معناها إلى أنه ما كان ليهلك القرى بظلم بسبب اجتماع النقيضين وهم مصلحون . وكلامه تعالى يتنزه عن هذا ويتعالى عنه . تنزه الخالق عن الظلم وكذلك عند هؤلاء أيضا : العبث والسّدى والباطل ، كلها هي المستحيلات الممتنعة التي لا تدخل تحت المقدور . واللّه سبحانه قد نزّه نفسه عنها . إذ نسبه إليها أعداؤه المكذبون بوعده