ابن قيم الجوزية
149
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [ الأعراف : 28 ] أي لا يأمر بما هو فاحشة في العقول والفطر ، ولو كان إنما علم كونه فاحشة بالنهي ، وأنه لا معنى لكونه فاحشة إلا تعلق النهي به ، لصار معنى الكلام : إن اللّه لا يأمر بما ينهى عنه . وهذا يصان عن التكلم به آحاد العقلاء ، فضلا عن كلام العزيز الحكيم . وأي فائدة في قوله « إن اللّه لا يأمر بما ينهى عنه » ؟ فإنه ليس لمعنى كونه « فاحشة » عندهم إلا أنه منهيّ عنه . لا أن العقول تستفحشه . ثم قال تعالى : قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ [ الأعراف : 29 ] والقسط عندهم : هو المأمور به . لا أنه قسط في نفسه . فحقيقة الكلام : قل أمر ربي بما أمر به . ثم قال : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [ الأعراف : 32 ] دل على أنه طيب قبل التحريم ، وأن وصف الطيب فيه مانع من تحريمه مناف للحكمة . ثم قال : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [ الأعراف : 33 ] ولو كان كونها فواحش إنما هو لتعلق التحريم بها ، وليست فواحش قبل ذلك ، لكان حاصل الكلام : قل إنما حرم ربي ما حرّم . وكذلك تحريم الإثم والبغي ، فكون ذلك فاحشة وإثما وبغيا بمنزلة كون الشرك شركا . فهو شرك في نفسه قبل النهي وبعده . فمن قال : إن الفاحشة والقبائح والآثام إنما صارت كذلك بعد النهي . فهو بمنزلة من يقول : الشرك إنما صار شركا بعد النهي ، وليس شركا قبل ذلك . ومعلوم أن هذا وهذا مكابرة صريحة للعقل والفطرة . فالظلم ظلم في نفسه قبل النهي وبعده . والقبيح قبيح في نفسه قبل النهي وبعده ، والفاحشة كذلك ، وكذلك الشرك ، لا أن هذه الحقائق صارت بالشرع كذلك . نعم الشارع كساها بنهيه عنها قبحا إلى قبحها ، فكان قبحها من ذاتها ، وازدادت قبحا عند العقل بنهي الرب تعالى عنها ، وذمّه لها ، وإخباره ببغضها وبغض فاعلها ، كما أن العدل والصدق والتوحيد ، ومقابلة نعم المنعم بالثناء والشكر حسن في نفسه ، وازداد حسنا إلى حسنه بأمر الرب به ، وثنائه على فاعله . وإخباره بمحبته ذلك ومحبة فاعله . بل من أعلام نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم : أنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويحلّ لهم الطيبات . ويحرّم عليهم الخبائث . فلو كان كونه معروفا ومنكرا وخبيثا وطيبا إنما هو لتعلق الأمر والنهي والحل والتحريم به ، لكان بمنزلة أن يقال : يأمرهم بما يأمرهم به . وينهاهم عما ينهاهم عنه . ويحل لهم ما يحل لهم . ويحرم عليهم ما يحرم عليهم ! وأي فائدة في هذا ؟ وأي علم يبقى فيه لنبوته ؟ وكلام اللّه يصان عن ذلك ، وأن يظن به ذلك . وإنما المدح والثناء والعلم الدال على نبوته : أن ما يأمر به تشهد العقول الصحيحة حسنه وكونه معروفا . وما ينهى عنه تشهد قبحه وكونه منكرا . وما يحله تشهد كونه طيبا . وما يحرمه تشهد كونه خبيثا . وهذه دعوة جميع الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم . وهي بخلاف دعوة المتغلبين المبطلين ، والكذابين والسحرة . فإنهم يدعون إلى ما يوافق أهواءهم وأغراضهم من كل قبيح ومنكر وبغي وإثم وظلم . ولهذا قيل لبعض الأعراب - وقد أسلم ، لما عرف دعوته صلى اللّه عليه وسلم - عن أي شيء أسلمت ؟ وما