ابن قيم الجوزية

145

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

عين الحكم ، واجتماعها كلها في تلك العين ، وانسحاب ذيل المشيئة عليها ، ووحدة المصدر . وهو المشيئة الشاملة العامة الموجبة . فهي بالنسبة إلى مصدر الحكم ، وعين المشيئة : لا توصف بحسن ولا قبح . إذ الحسن والقبح إنما عرضا لها عند قيامها بالكون ، وجريانها عليه . فهي بمنزلة نور الشمس واحد في نفسه غير متلون . ولا يوصف بحمرة ولا صفرة ولا خضرة . فإذا اتصل بالمحالّ المتلونة وصف حينئذ بحسب تلك المحال ، لإضافته إليها ، واتصاله بها . فيرى أحمر وأصفر وأخضر ، وهو بريء من ذلك كله ، إذا صعد من تلك المحال إلى مصدره الأول ، المجرد عن القوابل . فهذا أحسن ما يحمل عليه كلامه . على أن له محملا آخر مبنيا على أصول فاسدة . وهي أن إرادة الربّ تعالى هي عين محبته ورضاه . فكل ما شاءه فقد أحبه ورضيه ، وكل ما لم يشأه فهو مسخوط له مبغوض ، فالمبغوض المسخوط هو ما لم يشأه . والمحبوب المرضي هو ما شاءه . هذا أصل عقيدة القدرية الجبرية ، المنكرين للحكم والتعليل والأسباب ، وتحسين العقل وتقبيحه ، وأن الأفعال كلها سواء ، لا يختص بعضها بما صار حسنا لأجله ، وبعضها بما صار قبيحا لأجله . ويجوز في العقل أن يأمر بما نهى عنه ، وينهى عما أمر به ، ولا يكون ذلك مناقضا للحكمة . إذ الحكمة ترجع عندهم إلى مطابقة العلم الأزلي لمعلومه ، والإرادة الأزلية لمرادها . والقدرة لمقدورها . فإذا الأفعال بالنسبة إلى المشيئة والإرادة مستوية ، لا توصف بحسن ولا قبح . فإذا تعلق بها الأمر والنهي صارت حينئذ حسنة وقبيحة وليس حسنها وقبحها أمرا زائدا على كونها مأمورا بها ومنهيا عنها . فعلى هذا إذا صعد العبد من تفرقة الأمر والنهي إلى جمع المشيئة والحكم ، لم يستحسن حسنة ، ولم يستقبح قبيحة . فإذا نزل فرق الأمر : صح له الاستحسان والاستقباح . فهذا محمل ثان لكلامه . وله محمل ثالث - هو أبعد الناس منه ، ولكن قد حمل عليه - وهو أن السالك ما دام محجوبا عن شهود الحقيقة بشهود الطاعة والمعصية . رأى الأفعال بعين الحسن والقبح . فرأى منها الطاعة والمعصية . فإذا ترقّى إلى شهود الحقيقة الأولى . وهي الحقيقة الكونية . ورأى شمول الحكم الكوني للكائنات وإحاطته بها ، وعدم خروج ذرة منها عنه ، زال عنه استقباح شيء من الأفعال ، وشهدها كلها طاعات للأقدار والمشيئة « 1 » . وفي مثل هذا الحال يقول : إن كنت عصيت الأمر . فقد أطعت الإرادة . ويقول : أصبحت منفعلا لما تختاره * منّي ، ففعلي كله طاعات فإذا ترقّى مرتبة أخرى ، وزال عنه الفرق بين الرب والعبد - كما زال عنه في المرتبة الثانية : الفرق بين المحبوب والمسخوط ، والمأمور والمحظور - قال : ما ثمّ طاعة ، ولا معصية . إذ الطاعة والمعصية إنما يكونان بين اثنين ضرورة ، والمطيع عين المطاع . فما ههنا غير . فالوحدة المطلقة تنفي الطاعة والمعصية . فالصعود من وحدة الفعل إلى وحدة الوجود ، يزيل عنه - بزعمه -

--> ( 1 ) أو هو على الأصل عندهم : أن الحكم الطبعي في أن وجود كل شيء هو وجود ربهم . فليس ثم قبيح ولا حسن . لأن كل تطور وصفة فهي طبيعية ، ليست بفعل فاعل مختار .