ابن قيم الجوزية

146

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

توهم الانقسام إلى طاعة ومعصية ، كما كان الصعود من تفرقة الأمر إلى وحدة الحكم ، يزيل عنه ثبوت المعصية . وهذا عند القوم من الأسرار التي لا يستجيزون كشفها إلا لخواصهم . وأهل الوصول منهم « 1 » . لكن صاحب المنازل بريء من هؤلاء وطريقتهم . وهو مكفر لهم ، بل مخرج لهم من جملة الأديان . ولكن ذكرنا ذلك ، لأنهم يحملون كلامه عليه . ويظنونه منهم . فاعلم أن هذا مقام عظيم . زلت فيه أقدام طائفتين من الناس : طائفة من أهل الكلام والنظر ، وطائفة من أهل السلوك والإرادة . فنفى لأجله كثير من النظار التحسين والتقبيح العقليين . وجعلوا الأفعال كلها سواء في نفس الأمر ، وأنها غير منقسمة في ذواتها إلى حسن وقبيح . ولا يميز القبيح بصفة اقتضت قبحه ، بحيث يكون منشأ القبح . وكذلك الحسن . فليس للفعل عندهم منشأ حسن ولا قبح . ولا مصلحة ولا مفسدة ، ولا فرق بين السجود للشيطان ، والسجود للرحمن في نفس الأمر . ولا بين الصدق والكذب ، ولا بين السفاح والنكاح . إلا أن الشارع حرم هذا وأوجب هذا . فمعنى حسنه : كونه مأمورا به ، لا أنه منشأ مصلحة . ومعنى قبحه : كونه منهيا عنه . لا أنه منشأ مفسدة ، ولا فيه صفة اقتضت قبحه . ومعنى حسنه : أن الشارع أمر به . لا أنه منشأ مصلحة ، ولا فيه صفة اقتضت حسنه . بطلان نفي التحسين والتقبيح وقد بينا بطلان هذا المذهب من ستين وجها في كتابنا المسمى « تحفة النازلين بجوار رب العالمين » وأشبعنا الكلام في هذه المسألة هناك . وذكرنا جميع ما احتج به أرباب هذا المذهب . وبينا بطلانه . فإن هذا المذهب - بعد تصوره ، وتصور لوازمه - يجزم العقل ببطلانه . وقد دل القرآن على فساده في غير موضع ، والفطرة أيضا وصريح العقل . فإن اللّه سبحانه فطر عباده على استحسان الصدق والعدل ، والعفة والإحسان ، ومقابلة النعم بالشكر . وفطرهم على استقباح أضدادها . ونسبة هذا إلى فطرهم وعقولهم كنسبة الحلو والحامض إلى أذواقهم ، وكنسبة رائحة المسك ورائحة النّتن إلى مشامّهم ، وكنسبة الصوت اللذيذ وضده إلى أسماعهم . وكذلك كل ما يدركونه بمشاعرهم الظاهرة والباطنة . فيفرقون بين طيبه وخبيثه ، ونافعه وضاره .

--> ( 1 ) وجدنا في هامش الأصل هنا ما نصه : بئست الأسرار هذه . فهي عين الكفر والإلحاد ، تعالى اللّه عما يقولون علوا كبيرا . بل نشهد أن اللّه بائن من خلقه ، مستو على عرشه ، ليس في خلقه شيء من ذاته ، ولا في ذاته شيء من خلقه ، وأنه يحب الطاعة وأهلها ويثيبهم عليها . ويكره المعاصي ويبغض أهلها ويعاقبهم عليها ، أو يغفرها إن شاء . ويتوب على من تاب . فاحذر هذه الطريقة ، فإنها طريقة الاتحادية القائلين بوحدة الوجود . وأنه ما ثم رب وعبد . تعالى اللّه عن إفكهم علوا كبيرا .