ابن قيم الجوزية
144
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
التخلص منها ، فإنه كلما جد في الاستقامة والدعوة إلى اللّه ، والقيام له بأمره ، جد العدو في إغراء السفهاء به . فهو في هذه العقبة قد لبس لأمة الحرب . وأخذ في محاربة العدو للّه وباللّه . فعبوديته فيها عبودية خواص العارفين . وهي تسمى عبودية المراغمة ، ولا ينتبه لها إلا أولو البصائر التامة . ولا شيء أحب إلى اللّه من مراغمة وليه لعدوه ، وإغاظته له . وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه . أحدها : قوله : وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً [ النّساء : 100 ] سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة اللّه مراغما يراغم به عدو اللّه وعدوه . واللّه يحب من وليه مراغمة عدوه ، وإغاظته . كما قال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [ التّوبة : 120 ] وقال تعالى في مثل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأتباعه وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [ الفتح : 29 ] فمغايظة الكفار غاية محبوبة للربّ مطلوبة له . فموافقته فيها من كمال العبودية . وشرع النبي صلى اللّه عليه وسلم للمصلي إذا سها في صلاته سجدتين ، وقال : « إن كانت صلاته تامة كانتا ترغمان أنف الشيطان » وفي رواية : « ترغيما للشيطان » وسماهما « المرغمتين » . فمن تعبد اللّه بمراغمة عدوه ، فقد أخذ من الصدّيقية بسهم وافر . وعلى قدر محبة العبد لربه ، وموالاته ومعاداته لعدوه ، يكون نصيبه من هذه المراغمة ، ولأجل هذه المراغمة حمد التبختر بين الصفين ، والخيلاء والتبختر عند صدقة السر ، حيث لا يراه إلا اللّه . لما في ذلك من إرغام العدو . وبذل محبوبه من نفسه وماله للّه عزّ وجل . وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس . ومن ذاق طعمه ولذته بكى على أيامه الأول . وباللّه المستعان . وعليه التكلان . ولا حول ولا قوة إلا باللّه . وصاحب هذا المقام إذا نظر إلى الشيطان ، ولاحظه في الذنب ، راغمه بالتوبة النصوح . فأحدثت له هذه المراغمة عبودية أخرى . فهذه نبذة من بعض لطائف أسرار « التوبة » لا تستهزىء بها . فلعلك لا تظفر بها في مصنف آخر البتة . وللّه الحمد والمنة . وبه التوفيق . قال صاحب المنازل : « اللطيفة الثالثة : إن مشاهدة العبد الحكم لم تدع له استحسان حسنة ، ولا استقباح سيئة . لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم » . هذا الكلام - إن أخذ على ظاهره - فهو من أبطل الباطل ، الذي لولا إحسان الظن بصاحبه وقائله ، ومعرفة قدره من الإمامة والعلم والدين ، لنسب إلى لازم هذا الكلام . ولكن من عدا المعصوم - صلى اللّه عليه وسلم - فمأخوذ من قوله ومتروك . ومن ذا الذي لم تزلّ به القدم . ولم يكب به الجواد ؟ . ومعنى هذا : أن العبد ما دام في مقام التفرقة ، فإنه يستحسن بعض الأفعال . ويستقبح بعضها ، نظرا إلى ذواتها وما افترقت فيه . فإذا تجاوزها نظر إلى مصدرها الأول ، وصدورها عن