ابن قيم الجوزية
141
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
عذاب اللّه . فضلا عن الفوز بعظيم ثواب اللّه . فإن خلص له عمل وحال مع اللّه ، وصفا له معه وقت شاهد منّة اللّه عليه به ، ومجرد فضله ، وأنه ليس من نفسه ، ولا هي أهل لذاك ، فهو دائما مشاهد لمنة اللّه عليه ، ولعيوب نفسه وعمله . لأنه متى تطلبها رآها . وهذا من أجلّ أنواع المعارف وأنفعها للعبد . ولذلك كان سيد الاستغفار « اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت . خلقتني ، وأنا عبدك . وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت . أعوذ بك من شر ما صنعت . أبوء لك بنعمتك علي . وأبوء بذنبي . فاغفر لي . إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت » . فتضمن هذا الاستغفار : الاعتراف من العبد بربوبية اللّه ، وإلهيته وتوحيده . والاعتراف بأنه خالقه ، العالم به . إذ أنشأه نشأة تستلزم عجزه عن أداء حقه وتقصيره فيه ، والاعتراف بأنه عبده الذي ناصيته بيده وفي قبضته . لا مهرب له منه . ولا وليّ له سواه ، ثم التزام الدخول تحت عهده - وهو أمره ونهيه - الذي عهده إليه على لسان رسوله ، وأن ذلك بحسب استطاعتي ، لا بحسب أداء حقك . فإنه غير مقدور للبشر . وإنما هو جهد المقلّ ، وقدر الطاقة . ومع ذلك فأنا مصدق بوعدك الذي وعدته لأهل طاعتك بالثواب ، ولأهل معصيتك بالعقاب . فأنا مقيم على عهدك ، مصدق بوعدك . ثم أفزع إلى الاستعاذة والاعتصام بك من شرّ ما فرّطت فيه من أمرك ونهيك . فإنك إن لم تعذني من شره ، وإلا أحاطت بي الهلكة . فإن إضاعة حقك سبب الهلاك ، وأنا أقرّ لك وألتزم بنعمتك عليّ . وأقر وألتزم وأبخع بذنبي . فمنك النعمة والإحسان والفضل . ومني الذنب والإساءة . فأسألك أن تغفر لي بمحو ذنبي ، وأن تعفيني من شرّه . إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . فلهذا كان هذا الدعاء سيد الاستغفار . وهو متضمن لمحض العبودية . فأي حسنة تبقى للبصير الصادق ، مع مشاهدته عيوب نفسه وعمله ، ومنة اللّه عليه ؟ فهذا الذي يعطيه نظره إلى نفسه ونقصه . تدرج الشيطان في الإغواء النظر الرابع : نظره إلى الآمر له بالمعصية ، المزيّن له فعلها ، الحاضّ له عليها . وهو شيطانه الموكّل به . فيفيده النظر إليه ، وملاحظته : اتخاذه عدوا ، وكمال الاحتراز منه ، والتحفظ واليقظة : والانتباه لما يريد منه عدوه وهو لا يشعر . فإنه يريد أن يظفر به في عقبة من سبع عقبات ، بعضها أصعب من بعض . لا ينزل منه من العقبة الشاقة إلى ما دونها إلا إذا عجز عن الظفر به فيها . العقبة الأولى : عقبة الكفر باللّه وبدينه ولقائه ، وبصفات كماله ، وبما أخبرت به رسله عنه . فإنه إن ظفر به في هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح . فإن اقتحم هذه العقبة ونجا منها ببصيرة الهداية ، وسلم معه نور الإيمان طلبه على : العقبة الثانية : وهي عقبة البدعة . إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل اللّه به رسوله ، وأنزل به كتابه . وإما بالتعبد بما لم يأذن به اللّه من الأوضاع والرسوم المحدثة في الدين ، التي لا يقبل اللّه منها شيئا . والبدعتان في الغالب متلازمتان . قلّ أن تنفكّ إحداهما عن الأخرى . كما قال بعضهم : تزوجت بدعة الأقوال ببدعة الأعمال . فاشتغل الزوجان بالعرس . فلم يفجأهم إلا