ابن قيم الجوزية
142
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وأولاد الزنى يعيشون في بلاد الإسلام . تضج منهم العباد والبلاد إلى اللّه تعالى « 1 » . وقال شيخنا : تزوجت الحقيقة الكافرة ، بالبدعة الفاجرة . فتولّد بينهما خسران الدنيا والآخرة . فإن قطع هذه العقبة ، وخلص منها بنور السنة ، واعتصم منها بحقيقة المتابعة ، وما مضى عليه السلف الأخيار ، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان . وهيهات أن تسمح الأعصار المتأخرة بواحد من هذا الضرب ! فإن سمحت به نصب له أهل البدع الحبائل ، وبغوه الغوائل ، وقالوا : مبتدع محدث . فإذا وفقه اللّه لقطع هذه العقبة طلبه على : العقبة الثالثة : وهي عقبة الكبائر . فإن ظفر به فيها زيّنها له ، وحسّنها في عينه . وسوّف به . وفتح له باب الإرجاء . وقال له : الإيمان هو نفس التصديق . فلا تقدح فيه الأعمال « 2 » ، وربما أجرى على لسانه وأذنه كلمة طالما أهلك بها الخلق ، وهي قوله « لا يضرّ مع التوحيد ذنب ، كما لا ينفع مع الشرك حسنة » والظفر به في عقبة البدعة أحب إليه . لمناقضتها الدين ، ودفعها لما بعث اللّه به رسوله . وصاحبها لا يتوب منها . ولا يرجع عنها ، بل يدعو الخلق إليها ، ولتضمنها القول على اللّه بلا علم . ومعاداة صريح السنة . ومعاداة أهلها ، والاجتهاد على إطفاء نور السنة . وتولية من عزله اللّه ورسوله ، وعزل من ولّاه اللّه ورسوله . واعتبار ما رده اللّه ورسوله ، ورد ما اعتبره . وموالاة من عاداه ، ومعاداة من والاه . وإثبات ما نفاه . ونفي ما أثبته . وتكذيب الصادق . وتصديق الكاذب . ومعارضة الحق بالباطل . وقلب الحقائق ، بجعل الحق باطلا ، والباطل حقا . والإلحاد في دين اللّه ، وتعمية الحق على القلوب . وطلب العوج لصراط اللّه المستقيم . وفتح باب تبديل الدين جملة « 3 » . فإن البدع تستدرج بصغيرها إلى كبيرها ، حتى ينسلخ صاحبها من الدين ، كما تنسل الشعرة من العجين . فمفاسد البدع لا يقف عليها إلا أرباب البصائر ، والعميان ضالون في ظلمة العمى وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [ النّور : 40 ] . فإن قطع هذه العقبة بعصمة من اللّه ، أو بتوبة نصوح تنجيه منها ، طلبه على : العقبة الرابعة : وهي عقبة الصغائر . فكال له منها بالقفزان ، وقال : ما عليك إذا اجتنبت الكبائر ما غشيت من اللّمم ، أو ما علمت بأنها تكفّر باجتناب الكبائر وبالحسنات . ولا يزال
--> ( 1 ) يغلب على الظن : أن هذا من كلام الشيخ الإمام ابن القيم عليه رحمة اللّه . ( 2 ) يعني أعمال الفسوق والعصيان . والمعنى المراد : أن الشيطان يقول له - عند فتح باب الإرجاء - إن الإيمان هو نفس التصديق فلا تقدح فيه الأعمال السيئة والمعاصي . وهذا وما بعده هو معنى الإرجاء الذي هو من شر البدع التي أفسدت الدين . ( 3 ) وشر البدع وأنكاها : هو التقليد الأعمى ، والعمل في العقائد والعبادات والأحكام والشرائع والأذكار والأوراد بما وجد عليه الآباء والشيوخ على غير هدى ولا بصيرة ، يستمد نورها من الفقه في كلام اللّه وكلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فما وقع الناس قديما ولا حديثا في شيء من الشرك في العبادة والشرك في الاتباع والتشريع إلا من بدعة هذا التقليد .