ابن قيم الجوزية

133

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

هو لبّ العبودية وسرها . وحصوله أنفع شيء للعبد ، وأحب شيء إلى اللّه . فلا بدّ من تقدير لوازمه : من أسباب الضعف ، والحاجة ، وأسباب العبودية والطاعة ، وأسباب المحبة والإنابة ، وأسباب المعصية والمخالفة ، إذ وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع ، والغاية من تقدير عدم هذا الملزوم ولازمه ، مصلحة وجوده خير من مصلحة فوته ، ومفسدة فوته أكبر من مفسدة وجوده . والحكمة مبناها على دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما ، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ، وقد فتح لك الباب ، فإن كنت من أهل المعرفة فادخل ، وإلا فردّ الباب وارجع بسلام . ومنها : أن أسماءه الحسنى تقتضي آثارها اقتضاء الأسباب التامة لمسبباتها ، فاسم « السميع ، البصير » يقتضي مسموعا ومبصرا ، واسم « الرزاق » يقتضي مرزوقا ، واسم « الرحيم » يقتضي مرحوما ، وكذلك أسماء « الغفور ، والعفو ، والتواب ، والحليم » يقتضي من يغفر له ، ويتوب عليه ، ويعفو عنه ، ويحلم . ويستحيل تعطيل هذه الأسماء والصفات ، إذ هي أسماء حسنى وصفات كمال ، ونعوت جلال ، وأفعال حكمة وإحسان وجود ، فلا بد من ظهور آثارها في العالم ، وقد أشار إلى هذا أعلم الخلق باللّه ، صلوات اللّه وسلامه عليه . حيث يقول « لو لم تذنبوا لذهب اللّه بكم ، ولجاء بقوم يذنبون ، ثم يستغفرون فيغفر لهم » . وأنت إذا فرضت الحيوان بجملته معدوما . فمن يرزق الرزاق سبحانه ؟ وإذا فرضت المعصية والخطيئة منتفية من العالم ، فلمن يغفر ؟ وعمن يعفو ؟ وعلى من يتوب ويحلم ؟ وإذا فرضت الفاقات كلها قد سدّت ، والعبيد أغنياء معافون ، فأين السؤال والتضرع والابتهال ؟ والإجابة وشهود الفضل والمنة ، والتخصيص ، بالإنعام والإكرام ؟ فسبحان من تعرّف إلى خلقه بجميع أنواع التعرفات . ودلّهم عليه بأنواع الدلالات . وفتح لهم إليه جميع الطرقات ، ثم نصب إليه الصراط المستقيم . وعرّفهم به ودلهم عليه لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [ الأنفال : 42 ] . فرح اللّه بتوبة التائب ومنها : السر الأعظم ، الذي لا تقتحمه العبارة ، ولا تجسر عليه الإشارة ، ولا ينادي عليه منادي الإيمان على رؤوس الأشهاد ، بل شهدته قلوب خواص العباد . فازدادت به معرفة لربها ومحبة له . وطمأنينة به وشوقا إليه ، ولهجا بذكره . وشهودا لبرّه ، ولطفه وكرمه وإحسانه ، ومطالعة لسر العبودية ، وإشرافا على حقيقة الإلهية . وهو ما ثبت في « الصحيحين » من حديث أنس بن مالك رضي اللّه عنه . قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « للّه أفرح بتوبة عبده - حين يتوب إليه - من أحدكم ، كان على راحلة بأرض فلاة . فانفلتت منه ، وعليها طعامه وشرابه . فأيس منها . فأتى شجرة فاضطجع في ظلها . قد أيس من راحلته ، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده . فأخذ بخطامها . ثم قال - من شدة الفرح - اللهم أنت عبدي وأنا ربك . أخطأ من شدة الفرح » هذا لفظ مسلم . وفي الحديث من قواعد العلم : أن اللفظ الذي يجري على لسان العبد خطأ من فرح شديد ، أو غيظ شديد ، ونحوه لا يؤاخذ به ، ولهذا لم يكن هذا كافرا بقوله « أنت عبدي وأنا ربك » .