ابن قيم الجوزية

134

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ومعلوم أن تأثير الغضب في عدم القصد يصل إلى هذه الحال ، أو أعظم منها . فلا ينبغي مؤاخذة الغضبان بما صدر منه في حال شدة غضبه من نحو هذا الكلام . ولا يقع طلاقه بذلك ولا ردته ، وقد نص الإمام أحمد على تفسير الإغلاق في قوله صلى اللّه عليه وسلم « لا طلاق في إغلاق » بأنه الغضب . وفسره به غير واحد من الأئمة . وفسروه بالإكراه والجنون . قال شيخنا : وهو يعم هذا كله . وهو من الغلق . لانغلاق قصد المتكلم عليه . فكأنه لم ينفتح قلبه لمعنى ما قاله . والقصد : أن هذا الفرح له شأن لا ينبغي للعبد إهماله والإعراض عنه . ولا يطلع عليه إلا من له معرفة خاصة باللّه وأسمائه وصفاته ، وما يليق بعزّ جلاله . وقد كان الأولى بنا طيّ الكلام فيه إلى ما هو اللائق بأفهام بني الزمان وعلومهم ، ونهاية أقدامهم من المعرفة ، وضعف عقولهم عن احتماله . غير أنا نعلم أن اللّه عزّ وجلّ سيسوق هذه البضاعة إلى تجارها ، ومن هو عارف بقدرها ، وإن وقعت في الطريق بيد من ليس عارفا بها ، فرب حامل فقه ليس بفقيه . ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه . فاعلم أن اللّه سبحانه وتعالى اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرمه وفضله وشرفه . وخلقه لنفسه ، وخلق كل شيء له ، وخصه من معرفته ومحبته وقربه وإكرامه بما لم يعطه غيره . وسخّر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما ، حتى ملائكته - الذين هم أهل قربه - استخدمهم له . وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته ، وظعنه وإقامته . وأنزل إليه وعليه كتبه ، وأرسله وأرسل إليه . وخاطبه وكلمه منه إليه ، واتخذ منهم الخليل والكليم ، والأولياء والخواص والأحبار . وجعلهم معدن أسراره ومحل حكمته وموضع حبه وخلق لهم الجنة والنار . فالخلق والأمر ، والثواب والعقاب ، مداره على النوع الإنساني . فإنه خلاصة الخلق . وهو المقصود بالأمر والنهي وعليه الثواب والعقاب . عناية اللّه بالإنسان فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات . وقد خلق أباه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته ، وعلمه أسماء كل شيء ، وأظهر فضله على الملائكة فمن دونهم من جميع المخلوقات ، وطرد إبليس عن قربه ، وأبعده عن بابه ، إذ لم يسجد له مع الساجدين ، واتخذه عدوا له . فالمؤمن من نوع الإنسان : خير البرية على الإطلاق . وخيرة اللّه من العالمين فإنه خلقه ليتم نعمته عليه ، وليتواتر إحسانه إليه ، وليخصه من كرامته ، وفضله بما لم تنله أمنيته . ولم يخطر على باله ولم يشعر به . ليسأله من المواهب والعطايا الباطنة والظاهرة العاجلة والآجلة التي لا تنال إلا بمحبته ، ولا تنال محبته إلا بطاعته ، وإيثاره على ما سواه . فاتخذه محبوبا له ، وأعدّ له أفضل ما يعده محب غني قادر جواد لمحبوبه إذا قدم عليه . وعهد إليه عهدا تقدم إليه فيه بأوامره ونواهيه . وأعلمه في عهده ما يقربه إليه ، ويزيده محبة له وكرامة عليه ، وما يبعده منه ويسخطه عليه ، ويسقطه من عينه . وللمحبوب عدو ، هو أبغض خلقه إليه ، قد جاهره بالعداوة ، وأمر عباده أن يكون دينهم