ابن قيم الجوزية
132
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ولكنه الحليم الذي لا يعجل . فيحدث له ذلك معرفة ربه سبحانه باسمه « الحليم » ومشاهدة صفة « الحلم » والتعبد بهذا الاسم . والحكمة والمصلحة الحاصلة من ذلك بتوسط الذنب : أحب إلى اللّه ، وأصلح للعبد ، وأنفع من فوتها . ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع . ومنها : معرفة العبد كرم ربه في قبول العذر منه إذا اعتذر إليه بنحو ما تقدم من الاعتذار . لا بالقدر ، فإنه مخاصمة ومحاجة ، كما تقدم ، فيقبل عذره بكرمه وجوده ، فيوجب له ذلك اشتغالا بذكره وشكره ، ومحبة أخرى لم تكن حاصلة له قبل ذلك ، فإن محبتك لمن شكرك على إحسانك وجازاك به ، ثم غفر لك إساءتك ولم يؤاخذك بها : أضعاف محبتك على شكر الإحسان وحده والواقع شاهد بذلك . فعبودية التوبة بعد الذنب لون . وهذا لون آخر . ومنها : أن يشهد فضله في مغفرته ، فإن المغفرة فضل من اللّه . وإلا فلو أخذك بمحض حقه ، كان عادلا محمودا . وإنما عفوه بفضله لا باستحقاقك . فيوجب لك ذلك أيضا شكرا له ومحبة ، وإنابة إليه ، وفرحا وابتهاجا به ، ومعرفة له باسمه « الغفار » ومشاهدة لهذه الصفة ، وتعبدا بمقتضاها . وذلك أكمل في العبودية ، والمحبة والمعرفة . ومنها : أن يكمّل لعبده مراتب الذل والخضوع والانكسار بين يديه ، والافتقار إليه ، فإن النفس فيها مضاهاة للربوبية ، ولو قدرت لقالت كقول فرعون ، ولكنه قدر فأظهر ، وغيره عجز فأضمر . وإنما يخلّصها من هذه المضاهاة ذل العبودية . وهو أربع مراتب : المرتبة الأولى : مشتركة بين الخلق . وهي ذل الحاجة والفقر إلى اللّه . فأهل السماوات والأرض جميعا محتاجون إليه ، فقراء إليه . وهو وحده الغني عنهم . وكل أهل السماوات والأرض يسألونه . وهو لا يسأل أحدا . المرتبة الثانية : ذلّ الطاعة ، والعبودية . وهو ذلّ الاختيار . وهذا خاص بأهل طاعته وهو سر العبودية . المرتبة الثالثة : ذلّ المحبة . فإن المحب ذليل بالذات ، وعلى قدر محبته له يكون ذله ، فالمحبة أسست على الذلة للمحبوب ، كما قيل : اخضع وذلّ لمن تحبّ فليس في * حكم الهوى أنف يشال ويعقد وقال آخر : مساكين أهل الحب ، حتى قبورهم * عليها تراب الذّلّ بين المقابر « 1 » المرتبة الرابعة : ذل المعصية والجناية . فإذا اجتمعت هذه المراتب الأربع : كان الذل للّه والخضوع له أكمل وأتم . إذ يذل له خوفا وخشية ، ومحبة وإنابة ، وطاعة ، وفقرا وفاقة . وحقيقة ذلك : هو الفقر الذي يشير إليه القوم . وهذا المعنى أجلّ من أن يسمى بالفقر . بل
--> ( 1 ) في هامش الأصل : أذل لمن أهوى لأكسب عزة * وكم عزة قد نالها المرء بالذل إذا كان من تهوى عزيزا . ولم تكن * ذليلا له . فاقري السلام على الوصل