ابن قيم الجوزية

131

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الثالث : أن ينظر إلى تمكين اللّه له منها ، وتخليته بينه وبينها ، وتقديرها عليه ، وأنه لو شاء لعصمه منها . فيحدث له ذلك أنواعا من المعرفة باللّه وأسمائه وصفاته ، وحكمته ، ورحمته ، ومغفرته وعفوه ، وحلمه وكرمه . وتوجب له هذه المعرفة عبودية بهذه الأسماء ، لا تحصل بدون لوازمها البتة . ويعلم ارتباط الخلق والأمر ، والجزاء والوعد والوعيد بأسمائه وصفاته ، وأن ذلك موجب الأسماء والصفات وأثرها في الوجود ، وأن كل اسم وصفة مقتض لأثره وموجبه ، متعلق به لا بد منه . وهذا المشهد يطلعه على رياض مونقة من المعارف والإيمان ، وأسرار القدر والحكمة ، يضيق عن التعبير عنها نطاق الكلم . فمن بعضها : ما ذكره الشيخ « أن يعرف العبد عزته في قضائه » وهو أنه سبحانه العزيز الذي يقضي بما يشاء ، وأنه لكمال عزته حكم على العبد وقضى عليه ، بأن قلّب قلبه وصرّف إرادته على ما يشاء ، وحال بين العبد وقلبه ، وجعله مريدا شائيا لما شاء منه العزيز الحكيم . وهذا من كمال العزة . إذ لا يقدر على ذلك إلا اللّه . وغاية المخلوق : أن يتصرف في بدنك وظاهرك . وأما جعلك مريدا شائيا لما يشاؤه منك ويريده : فلا يقدر عليه إلا ذو العزة الباهرة . فإذا عرف العبد عزّ سيده ولا حظه بقلبه ، وتمكن شهوده منه ، كان الاشتغال به عن ذل المعصية أولى به وأنفع له ، لأنه يصير مع اللّه لا مع نفسه . ومن معرفة عزته في قضائه : أن يعرف أنه مدبّر مقهور ، ناصيته بيد غيره . لا عصمة له إلا بعصمته . ولا توفيق له إلا بمعونته . فهو ذليل حقير ، في قبضة عزيز حميد . ومن شهود عزته أيضا في قضائه : أن يشهد أن الكمال والحمد ، والغناء التام ، والعزة ، كلها للّه ، وأن العبد نفسه أولى بالتقصير والذم ، والعيب والظلم والحاجة . وكلما ازداد شهوده لذله ونقصه وعيبه وفقره ، ازداد شهوده لعزة اللّه وكماله ، وحمده وغناه . وكذلك بالعكس . فنقص الذنب وذلته يطلعه على مشهد العزة . ومنها : أن العبد لا يريد معصية مولاه من حيث هي معصية ، فإذا شهد جريان الحكم ، وجعله فاعلا لما هو غير مختار له ، مريد بإرادته ومشيئته واختياره . فكأنه مختار غير مختار ، مريد غير مريد ، شاء غير شاء ، فهذا يشهد عزة اللّه وعظمته ، وكمال قدرته . ومنها : أن يعرف برّه سبحانه في ستره عليه حال ارتكاب المعصية ، مع كمال رؤيته له . ولو شاء لفضحه بين خلقه فحذروه ، وهذا من كمال بره ، ومن أسمائه « البرّ » وهذا البر من سيده كان عن كمال غناه عنه ، وكمال فقر العبد إليه ، فيشتغل بمطالعة هذه المنة ، ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم ، فيذهل عن ذكر الخطيئة فيبقى مع اللّه سبحانه ، وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته . وشهود ذل معصيته . فإن الاشتغال باللّه والغفلة عما سواه : هو المطلب الأعلى ، والمقصد الأسنى . ولا يوجب هذا نسيان الخطيئة مطلقا ، بل في هذه الحال . فإذا فقدها فليرجع إلى مطالعة الخطيئة ، وذكر الجناية . ولكل وقت ومقام عبودية تليق به . ومنها : شهود حلم اللّه سبحانه وتعالى في إمهال راكب الخطيئة . ولو شاء لعاجله بالعقوبة .