ابن قيم الجوزية

130

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

بل هي كفر ، إن أخذت على ظاهرها ، ولا فرق بين التوبة من التوبة والتوبة من الإسلام والإيمان ، فهل يسوغ أن يقال بالتوبة من الإيمان ؟ . ولكن مرادهم : أن يتوب من رؤية التوبة . فإنها إنما حصلت له بمنة اللّه ومشيئته . ولو خلّي ونفسه لم تسمح بها البتة . فإذا رآها وشهد صدورها منه ووقوعها به . وغفل عن منّة اللّه عليه : تاب من هذه الرؤية والغفلة . ولكن هذه الرؤية والغفلة ليست هي التوبة ، ولا جزءا منها ، ولا شرطا لها . بل هي جناية أخرى عرضت له بعد التوبة . فيتوب من هذه الجناية ، كما تاب من الجناية الأولى ، فما تاب إلا من ذنب ، أولا وآخرا . فكيف يقال : يتوب من التوبة « 1 » ؟ . هذا كلام غير معقول . ولا هو صحيح في نفسه . بل قد يكون في التوبة علة ونقص ، وآفة تمنع كمالها . وقد يشعر صاحبها بذلك . وقد لا يشعر به . فيتوب من نقصان التوبة ، وعدم توفيتها حقها . وهذا أيضا ليس من التوبة . وإنما هو توبة من عدم التوبة . فإن القدر الموجود منها طاعة لا يتاب منها . والقدر المفقود : هو الذي يحتاج أن يتوب منه . فالتوبة من التوبة إنما تعقل على أحد هذين الوجهين . نعم . هاهنا وجه ثالث لطيف جدا . وهو أن من حصل له مقام أنس باللّه ، وصفا وقته مع اللّه . بحيث يكون إقباله على اللّه ، واشتغاله بذكر آلائه وأسمائه وصفاته أنفع شيء له . حتى نزل عن هذه الحالة ، واشتغل بالتوبة من جناية سالفة قد تاب منها . وطالع الجناية واشتغل بها عن اللّه . فهذا نقص ينبغي له أن يتوب إلى اللّه منه . وهو توبة من هذه التوبة . لأنه نزول من الصفاء إلى الجفاء . واللّه أعلم . لطائف أسرار التوبة قال صاحب المنازل : « ولطائف أسرار التوبة ثلاثة أشياء . أولها : أن ينظر الجناية والقضية . فيعرف مراد اللّه فيها . إذ خلّاك وإتيانها . فإن اللّه عزّ وجلّ إنما خلّى العبد والذنب لأجل معنيين : أحدهما : أن يعرف عزّته في قضائه ، وبرّه في ستره ، وحلمه في إمهال راكبه ، وكرمه في قبول العذر منه ، وفضله في مغفرته . الثاني : أن يقيم على عبده حجة عدله . فيعاقبه على ذنبه بحجته » . اعلم أن صاحب البصيرة إذا صدرت منه الخطيئة فله نظر إلى خمسة أمور : أحدها : أن ينظر إلى أمر اللّه ونهيه . فيحدث له ذلك الاعتراف بكونها خطيئة ، والإقرار على نفسه بالذنب . الثاني : أن ينظر إلى الوعد والوعيد . فيحدث له ذلك خوفا وخشية ، تحمله على التوبة .

--> ( 1 ) هذا يتمشى مع اعتقاد وحدة الوجود تمام التمشي . لأنه يتوب قبل أن يصل إلى العرفان . فإذا وصل إلى أن يكون عارفا بالحقيقة : انكشف عنه الحجاب - بزعمهم - فرأى الرب عبدا والعبد ربا . فيتوب من التوبة التي كانت قبل العرفان .