ابن قيم الجوزية

13

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

على هذا ، حذو القذّة بالقذة ، جزاء وفاقا هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ النّمل : 90 ] . ولينظر الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم . فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط ، تخطفه وتعوقه عن المرور عليه . فإن كثرت هنا وقويت فكذلك هي هناك وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصّلت : 46 ] . فسؤال الهداية متضمن لحصول كل خير ، والسلامة من كل شر . الموضع السابع : من معرفة نفس المسؤول . وهو الصراط المستقيم . لا تكون الطريق صراطا حتى تتضمن خمسة أمور : الاستقامة ، والإيصال إلى المقصود ، والقرب ، وسعته للمارين عليه ، وتعيّنه طريقا للمقصود . ولا يخفى تضمن الصراط المستقيم لهذه الأمور الخمسة . فوصفه بالاستقامة يتضمن قربه ، لأن الخط المستقيم هو أقرب خط فاصل بين نقطتين . وكلما تعوّج طال وبعد ، واستقامته تتضمن إيصاله إلى المقصود ، ونصبه لجميع من يمر عليه يستلزم سعته . وإضافته إلى المنعم عليهم ، ووصفه بمخالفة صراط أهل الغضب والضلال ، يستلزم تعيّنه طريقا . و « الصراط » تارة يضاف إلى اللّه ، إذ هو الذي شرعه ونصبه ، كقوله تعالى : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً [ الأنعام : 153 ] وقوله : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِراطِ اللَّهِ [ الشّورى : 52 ، 53 ] وتارة يضاف إلى العباد ، كما في الفاتحة ، لكونهم أهل سلوكه ، وهو المنسوب لهم . وهم المارون عليه . الموضع الثامن : من ذكر المنعم عليهم ، وتمييزهم عن طائفتي الغضب والضلال ، فانقسم الناس بحسب معرفة الحق والعمل به إلى هذه الأقسام الثلاثة . لأن العبد إما أن يكون عالما بالحق ، أو جاهلا به . والعالم بالحق إما أن يكون عاملا بموجبه أو مخالفا له . فهذه أقسام المكلفين . لا يخرجون عنها البتة . فالعالم بالحق العامل به : هو المنعم عليه ، وهو الذي زكّى نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح . وهو المفلح قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [ الشّمس : 9 ] والعالم به المتبع هواه : هو المغضوب عليه . والجاهل بالحق : هو الضال . والمغضوب عليه ضال عن هداية العمل ، والضال مغضوب عليه لضلاله عن العلم الموجب للعمل . فكل منهما ضال مغضوب عليه ، ولكن تارك العمل بالحق بعد معرفته به أولى بوصف الغضب وأحق به . ومن هنا كان اليهود أحقّ به . وهو متغلّظ في حقهم . كقوله تعالى في حقهم : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ [ البقرة : 90 ] وقال تعالى : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [ المائدة : 60 ] والجاهل بالحق : أحق باسم الضلال . ومن هنا وصفت النصارى به في قوله تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [ المائدة : 77 ] فالأولى : في سياق الخطاب مع اليهود . والثانية : في سياقه مع النصارى . وفي « الترمذي » و « صحيح ابن حبّان » . من حديث عديّ بن حاتم قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اليهود مغضوب عليهم . والنصارى ضالون » .