ابن قيم الجوزية

14

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ففي ذكر المنعم عليهم - وهم من عرف الحق واتبعه - والمغضوب عليهم - وهم من عرفه واتبع هواه - والضالين - وهم من جهله - : ما يستلزم ثبوت الرسالة والنبوة . لأن انقسام الناس إلى ذلك هو الواقع المشهود . وهذه القسمة إنما أوجبها ثبوت الرسالة . وأضاف النعمة إليه ، وحذف فاعل الغضب لوجوه : منها : أن النعمة هي الخير والفضل . والغضب من باب الانتقام والعدل . والرحمة تغلب الغضب ، فأضاف إلى نفسه أكمل الأمرين ، وأسبقهما وأقواهما . وهذه طريقة القرآن في إسناد الخيرات والنعم إليه . وحذف الفاعل في مقابلتهما ، كقول مؤمني الجن : وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [ الجنّ : 10 ] ومنه قول الخضر في شأن الجدار واليتيمين : فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما [ الكهف : 82 ] وقال في خرق السفينة : فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها [ الكهف : 79 ] ثم قال بعد ذلك : وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [ الكهف : 82 ] وتأمل قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [ البقرة : 187 ] وقوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [ المائدة : 3 ] وقوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ [ النّساء : 23 ] ثم قال : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [ النّساء : 24 ] . وفي تخصيصه لأهل الصراط المستقيم بالنعمة ما دل على أن النعمة المطلقة هي الموجبة للفلاح الدائم . وأما مطلق النعمة : فعلى المؤمن والكافر . فكل الخلق في نعمة . وهذا فصل النزاع في مسألة : هل للّه على الكافر من نعمة أم لا ؟ فالنعمة المطلقة لأهل الإيمان . ومطلق النعمة تكون للمؤمن والكافر ، كما قال تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [ إبراهيم : 34 ] . والنعمة من جنس الإحسان ، بل هي الإحسان . والرب تعالى إحسانه على البر والفاجر . والمؤمن والكافر . وأما الإحسان المطلق : فللذين اتقوا والذين هم محسنون . الوجه الثاني : أن اللّه سبحانه هو المنفرد بالنعم وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النّحل : 53 ] فأضيف إليه ما هو منفرد به . وإن أضيف إلى غيره فلكونه طريقا ومجرى للنعمة . وأما الغضب على أعدائه : فلا يختص به تعالى ، بل ملائكته وأنبياؤه ورسله وأولياؤه يغضبون لغضبه . فكان في لفظة الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [ الفاتحة : 7 ] بموافقة أوليائه له : من الدلالة على تفرده بالإنعام ، وأن النعمة المطلقة منه وحده ، هو المنفرد بها - ما ليس في « لفظة المنعم عليهم » . الوجه الثالث : أن في حذف فاعل الغضب من الإشعار بإهانة المغضوب عليه ، وتحقيره وتصغير شأنه ما ليس في ذكر فاعل النعمة ، من إكرام المنعم عليه والإشادة بذكره ، ورفع قدره ، ما ليس في حذفه ، فإذا رأيت من قد أكرمه ملك وشرفه ، ورفع قدره ، فقلت : هذا الذي أكرمه السلطان ، وخلع عليه وأعطاه ما تمناه . كان أبلغ في الثناء والتعظيم من قولك : هذا الذي أكرم وخلع عليه وشرف وأعطي . وتأمل سرا بديعا في ذكر السبب والجزاء للطوائف الثلاث بأوجز لفظ وأخصره . فإن الإنعام عليهم يتضمن إنعامه بالهداية ، التي هي العلم النافع والعمل الصالح . وهي الهدى ودين