ابن قيم الجوزية
124
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وتتظلم مع ذلك ، وتشتكي الطرد والإبعاد ، وتقول : عودوني الوصال ، والوصل عذب * ورموني بالصدّ . والصّدّ صعب نعم . وكيف لا يطرد من هذه معاملته ؟ وكيف لا يبعد عنه من كان هذا وصفه ؟ وكيف يجعل من خاصته وأهل قربه من حاله معه هكذا ؟ قد أفسد ما بينه وبين اللّه وكدّره . أمره اللّه بشكره ، لا لحاجته إليه . ولكن لينال به المزيد من فضله . فجعل كفر نعمه ، والاستعانة بها على مساخطه : من أكبر أسباب صرفها عنه . وأمره بذكره ليذكره بإحسانه ، فجعل نسيانه سببا لنسيان اللّه له نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [ الحشر : 19 ] نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ التّوبة : 67 ] أمره بسؤاله ليعطيه ، فلم يسأله . بل أعطاه أجلّ العطايا بلا سؤال ، فلم يقبل . يشكو من يرحمه إلى من لا يرحمه ، ويتظلم ممن لا يظلمه ، ويدع من يعاديه ويظلمه . إن أنعم عليه بالصحة والعافية والمال والجاه استعان بنعمه على معاصيه ، وإن سلبه ذلك ظلّ متسخطا على ربه وهو شاكيه ، لا يصلح له على عافية ، ولا على ابتلاء ، العافية تلقيه إلى مساخطه . والبلاء يدفعه إلى كفرانه وجحود نعمته ، وشكايته إلى خلقه . دعاه إلى بابه فما وقف عليه ولا طرقه . ثم فتحه له فما عرّج عليه ولا ولجه . أرسل إليه رسوله يدعوه إلى دار كرامته . فعصى الرسول . وقال : لا أبيع ناجزا بغائب ، ونقدا بنسيئة . ولا أترك ما أراه لشيء سمعت به ، ويقول : خذ ما رأيت ودع شيئا سمعت به * في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل فإن وافق حظّه طاعة الرسول أطاعه لنيل حظه ، لا لرضى مرسله . لم يزل يتمقت إليه بمعاصيه ، حتى أعرض عنه ، وأغلق الباب في وجهه . ومع هذا فلم يؤيسه من رحمته . بل قال : متى جئتني قبلتك . إن أتيتني ليلا قبلتك ، وإن أتيتني نهارا قبلتك ، وإن تقربت مني شبرا تقربت منك ذراعا ، وإن تقربت مني ذراعا تقربت منك باعا ، وإن مشيت إليّ هرولت إليك ، ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا ، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ، أتيتك بقرابها مغفرة ، ولو بلغت ذنوبك عنان السماء ، ثم استغفرتني غفرت لك ، ومن أعظم مني جودا وكرما ؟ عبادي يبارزونني بالعظائم ، وأنا أكلؤهم على فرشهم ، إني والجن والإنس في نبإ عظيم : أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي ، خيري إلى العباد نازل . وشرهم إليّ صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي ، وأنا الغني عنهم . ويتبغضون إليّ بالمعاصي ، وهم أفقر شيء إليّ . من أقبل إليّ تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني ناديته من قريب ، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد ، ومن أراد رضاي أردت ما يريد ، ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد . أهل ذكري أهل مجالستي ، وأهل شكري أهل زيادتي ، وأهل طاعتي أهل كرامتي ، وأهل معصيتي لا أقنّطهم من رحمتي . إن تابوا إليّ فأنا حبيبهم ، فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين ،
--> - تنزل برزقك وأسباب عافيتك وأحكامك . وتنزل بالوحي هدى ورحمة من عند ربك لخيرك وسعادتك في أولاك وأخراك . كما أن إبليس لا يزال عدوا مستكبرا على بني آدم يحاول أن يغويهم أجمعين .