ابن قيم الجوزية
125
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وإن لم يتوبوا إليّ فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب ، لأطهرهم من المعايب . من آثرني على سواي آثرته على سواه . الحسنة عندي بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، إلى أضعاف كثيرة ، والسيئة عندي بواحدة ، فإن ندم عليها واستغفرني غفرتها له . أشكر اليسير من العمل . وأغفر الكثير من الزلل . رحمتي سبقت غضبي . وحلمي سبق مؤاخذتي . وعفوي سبق عقوبتي . أنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها « للّه أشدّ فرحا بتوبة عبده من رجل أضلّ راحلته بأرض مهلكة دوية عليها طعامه وشرابه ، فطلبها حتى إذا أيس من حصولها ، نام في أصل شجرة ينتظر الموت . فاستيقظ فإذا هي على رأسه ، قد تعلق خطامها بالشجرة . فاللّه أفرح بتوبة عبده من هذا براحلته » . وهذه فرحة إحسان وبر ولطف ، لا فرحة محتاج إلى توبة عبده ، منتفع بها ، وكذلك موالاته لعبده إحسانا إليه ، ومحبة له وبرّا به ، لا يتكثّر به من قلة ، ولا يتعزز به من ذلّة ، ولا ينتصر به من غلبة . ولا يعدّه لنائبة . ولا يستعين به في أمر وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً [ الإسراء : 111 ] فنفى أن يكون له وليّ من الذل . واللّه وليّ الذين آمنوا . وهم أولياؤه . فهذا شأن الرب وشأن العبد . وهم يقيمون أعذار أنفسهم . ويحملون ذنوبهم على أقداره . استأثر اللّه بالمحامد والمج * د ، وولّى الملامة الرجلا وما أحسن قول القائل : تطوي المراحل عن حبيبك دائبا * وتظلّ تبكيه بدمع ساجم كذبتك نفسك ، لست من أحبابه * تشكو البعاد وأنت عين الظالم المعنى الثاني لأعذار الخليقة فهذا أحد المعنيين في قوله « إن من حقائق التوبة : طلب أعذار الخليقة » . وقد ظهر لك بهذا : أن طلب أعذارهم في الجناية عائد على التوبة بالنقض والإبطال . المعنى الثاني : أن يكون مراده : إقامة أعذارهم في إساءتهم إليك ، وجنايتهم عليك ، والنظر في ذلك إلى الأقدار ، وأن أفعالهم بمنزلة حركات الأشجار ، فتعذرهم بالقدر في حقك ، لا في حق ربك . فهذا حق ، وهو من شأن سادات العارفين ، وخواص أولياء اللّه الكمل ، يفنى أحدهم عن حقه . ويستوفي حق ربه . ينظر في التفريط في حقه ، وفي الجناية عليه إلى القدر ، وينظر في حق اللّه إلى الأمر ، فيطلب لهم العذر في حقه ، ويمحو عنهم العذر ويطلبه في حق اللّه . وهذه كانت حال نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، كما قالت عائشة رضي اللّه عنها : « ما انتقم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لنفسه قط ، ولا نيل منه شيء فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم اللّه . فإذا انتهكت محارم اللّه لم يقم لغضبه شيء ، حتى ينتقم للّه » . وقالت عائشة رضي اللّه عنها أيضا : « ما ضرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيده خادما ، ولا دابة ، ولا شيئا قط ، إلا أن يجاهد في سبيل اللّه » . وقال أنس رضي اللّه عنه : « خدمت النبي صلى اللّه عليه وسلم عشر سنين ، فما قال لي لشيء صنعته : لم