ابن قيم الجوزية

12

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الكتب ، أعظم من تضمنه إنزال الغيث وإنبات الكلأ ، وإخراج الحب . فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح ، لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظ البهائم والدواب . وأدرك منه أولو الألباب أمرا وراء ذلك . الموضع الرابع : من ذكر يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 4 ] فإنه اليوم الذي يدين اللّه العباد فيه بأعمالهم ، فيثيبهم على الخيرات ؛ ويعاقبهم على المعاصي والسيئات . وما كان اللّه ليعذب أحدا قبل إقامة الحجة عليه . والحجة إنما قامت برسله وكتبه ، وبهم استحقّ الثواب والعقاب ، وبهم قام سوق يوم الدين . وسيق الأبرار إلى النعيم . والفجار إلى الجحيم . الموضع الخامس : من قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة : 5 ] فإن ما يعبد به الربّ تعالى لا يكون إلا على ما يحبه ويرضاه . وعبادته - وهي شكره وحبه وخشيته - فطري ومعقول للعقول السليمة . لكن طريق التعبد وما يعبد به لا سبيل إلى معرفته إلا برسله وبيانهم . وفي هذا بيان أن إرسال الرسل أمر مستقر في العقول . يستحيل تعطيل العالم عنه ، كما يستحيل تعطيله عن الصانع . فمن أنكر الرسول فقد أنكر المرسل . ولم يؤمن به . ولهذا جعل اللّه سبحانه الكفر برسله كفرا به . الموضع السادس : من قوله اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [ الفاتحة : 6 ] فالهداية : هي البيان والدلالة ، ثم التوفيق والإلهام ، وهو بعد البيان والدلالة . ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل . فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف ترتب عليه هداية التوفيق ، وجعل الإيمان في القلب ، وتحبيبه إليه ، وتزيينه في القلب ، وجعله مؤثرا ، راضيا به . راغبا فيه . وهما هدايتان مستقلتان ، لا يحصل الفلاح إلا بهما . وهما متضمنتان تعريف ما لم نعلمه من الحق تفصيلا وإجمالا . وإلهامنا له ، وجعلنا مريدين لاتباعه ظاهرا وباطنا . ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهدى بالقول والعمل والعزم . ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة . ومن هنا يعلم اضطرار العبد إلى سؤال هذه الدعوة فوق كل ضرورة ، وبطلان قول من يقول : إذا كنا مهتدين ، فكيف نسأل الهداية ؟ فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم . وما لا نريد فعله تهاونا وكسلا مثل ما نريده ، أو أكثر منه أو دونه . وما لا نقدر عليه - مما نريده - كذلك . وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله ، فأمر يفوت الحصر . ونحن محتاجون إلى الهداية التامة . فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدوام . وللهداية مرتبة أخرى - وهي آخر مراتبها - وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق الجنة . وهو الصراط الموصل إليها . فمن هدي في هذه الدار إلى صراط اللّه المستقيم ، الذي أرسل به رسله ، وأنزل به كتبه ، هدي هناك إلى الصراط المستقيم ، الموصل إلى جنته ودار ثوابه . وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه اللّه لعباده في هذه الدار ، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم . وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط . فمنهم من يمر كالبرق ، ومنهم من يمر كالطّرف ، ومنهم من يمر كالريح ، ومنهم من يمر كشدّ الركاب ، ومنهم من يسعى سعيا ، ومنهم من يمشي مشيا ، ومنهم من يحبو حبوا ، ومنهم المخدوش المسلّم ، ومنهم المكردس في النار . فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره