ابن قيم الجوزية

118

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وكذب هذا الجاهل باللّه وكلامه . وإنما المراد بها : التزهيد في هذا الفاني الذاهب ، والترغيب في الباقي الدائم ، والإزراء بمن آثر هذا المزيّن واتبعه ، بمنزلة الصبي الذي يزين له ما يلعب به . فيهش إليه ويتحرك له ، مع أنه لم يذكر فاعل التزيين ، فلم يقل « زيّنا للناس » واللّه تعالى يضيف تزيين الدنيا والمعاصي إلى الشياطين ، كما قال تعالى : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ الأنعام : 43 ] وقال : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [ الأنعام : 137 ] وفي الحديث « بعثت هاديا وداعيا ، وليس إليّ من الهداية شيء ، وبعث إبليس مغويا ومزينا . وليس إليه من الضلالة شيء » ولا يناقض هذا قوله تعالى : كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ [ الأنعام : 108 ] فإن إضافة التزيين إليه قضاء وقدرا ، وإلى الشيطان تسببا ، مع أن تزيينه تعالى عقوبة لهم على ركونهم إلى ما زيّنه الشيطان لهم . فمن عقوبة السيئة : السيئة بعدها ، ومن ثواب الحسنة : الحسنة بعدها . والمقصود : أن الاحتجاج بالقدر مناف للتوبة . وليس هو من الاعتذار في شيء . وفي بعض الآثار « إن العبد إذا أذنب . فقال : يا رب ، هذا قضاؤك . وأنت حكمت عليّ . وأنت كتبت عليّ . يقول اللّه عزّ وجلّ : وأنت عملت ، وأنت كسبت ، وأنت أردت واجتهدت . وأنا أعاقبك عليه . وإذا قال : يا رب ، أنا ظلمت ، وأنا أخطأت ، وأنا اعتديت ، وأنا فعلت . يقول اللّه عزّ وجلّ : وأنا قدّرت عليك وقضيت وكتبت ، وأنا أغفر لك ، وإذا عمل حسنة . فقال : يا رب أنا عملتها . وأنا تصدّقت ، وأنا صليت ، وأنا أطعمت ، يقول اللّه عزّ وجلّ : وأنا أعنتك ، وأنا وفقتك ، وإذا قال : يا رب أنت أعنتني ووفقتني ، وأنت مننت عليّ . يقول اللّه : وأنت عملتها ، وأنت أردتها ، وأنت كسبتها » . فالاعتذار اعتذاران : اعتذار ينافي الاعتراف ، فذلك مناف للتوبة ، واعتذار يقرّر الاعتراف . فذلك من تمام التوبة . * * * قال صاحب المنازل : « وحقائق التوبة ثلاثة أشياء : تعظيم الجناية ، واتهام التوبة ، وطلب أعذار الخليقة » . حقائق التوبة يريد بالحقائق : ما يتحقق به الشيء ، وتتبين به صحته وثبوته ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لحارثة : « إن لكل حق حقيقة . فما حقيقة إيمانك ؟ » . فأما تعظيم الجناية : فإنه إذا استهان بها لم يندم عليها . وعلى قدر تعظيمها يكون ندمه على ارتكابها . فإن من استهان بإضاعة فلس - مثلا - لم يندم على إضاعته . فإذا علم أنه دينار اشتد ندمه ، وعظمت إضاعته عنده . وتعظيم الجناية يصدر عن ثلاثة أشياء : تعظيم الأمر ، وتعظيم الآمر . والتصديق بالجزاء . وأما اتهام التوبة : فلأنها حق عليه . لا يتيقن أنه أدى هذا الحق على الوجه المطلوب منه ، الذي ينبغي له أن يؤديه عليه ، فيخاف أنه ما وفاها حقها ، وأنها لم تقبل منه ، وأنه لم يبذل جهده