ابن قيم الجوزية

119

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

في صحتها ، وأنها توبة علّة وهو لا يشعر بها ، كتوبة أرباب الحوائج والإفلاس ، والمحافظين على حاجاتهم ومنازلهم بين الناس ، أو أنه تاب محافظة على حاله . فتاب للحال ، لا خوفا من ذي الجلال . أو أنه تاب طلبا للراحة من الكد في تحصيل الذنب ، أو اتقاء ما يخافه على عرضه وماله ومنصبه ، أو لضعف داعي المعصية في قلبه ، وخمود نار شهوته ، أو لمنافاة المعصية لما يطلبه من العلم والرزق ، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في كون التوبة خوفا من اللّه ، وتعظيما له ولحرماته ، وإجلالا له ، وخشية من سقوط المنزلة عنده ، وعن البعد والطرد عنه ، والحجاب عن رؤية وجهه في الدار الآخرة . فهذه التوبة لون ، وتوبة أصحاب العلل لون . ومن اتهام التوبة أيضا : ضعف العزيمة ، والتفات القلب إلى الذنب الفينة بعد الفينة ، وتذكّر حلاوة مواقعته . فربما تنفس . وربما هاج هائجه . ومن اتهام التوبة : طمأنينته ووثوقه من نفسه بأنه قد تاب ، حتى كأنه قد أعطي منشورا بالأمان . فهذا من علامات التهمة . ومن علاماتها : جمود العين ، واستمرار الغفلة ، وأن لا يستحدث بعد التوبة أعمالا صالحة لم تكن له قبل الخطيئة . فالتوبة المقبولة الصحيحة لها علامات . منها : أن يكون بعد التوبة خيرا مما كان قبلها . ومنها : أنه لا يزال الخوف مصاحبا له لا يأمن مكر اللّه طرفة عين . فخوفه مستمر إلى أن يسمع قول الرسل لقبض روحه : أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [ فصّلت : 30 ] فهناك يزول الخوف . ومنها : انخلاع قلبه ، وتقطعه ندما وخوفا . وهذا على قدر عظم الجناية وصغرها . وهذا تأويل ابن عيينة لقوله تعالى : لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ [ التّوبة : 110 ] قال : تقطعها بالتوبة . ولا ريب أن الخوف الشديد من العقوبة العظيمة يوجب انصداع القلب وانخلاعه ، وهذا هو تقطعه ، وهذا حقيقة التوبة ، لأنه يتقطع قلبه حسرة على ما فرط منه ، وخوفا من سوء عاقبته ، فمن لم يتقطع قلبه في الدنيا على ما فرّط حسرة وخوفا ، تقطع في الآخرة إذا حقّت الحقائق . وعاين ثواب المطيعين ، وعقاب العاصين ، فلا بد من تقطع القلب إما في الدنيا وإما في الآخرة . ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضا : كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء . ولا تكون لغير المذنب . لا تحصل بجوع ، ولا رياضة ، ولا حب مجرد . وإنما هي أمر وراء هذا كله . تكسر القلب بين يدي الرب كسرة تامة . قد أحاطت به من جميع جهاته ، وألقته بين يدي ربه طريحا ذليلا خاشعا ، كحال عبد جان آبق من سيده . فأخذ فأحضر بين يديه . ولم يجد من ينجيه من سطوته ، ولم يجد منه بدا ولا عنه غناء . ولا منه مهربا . وعلم أن حياته وسعادته وفلاحه ونجاحه في رضاه عنه . وقد علم إحاطة سيده بتفاصيل جناياته . هذا مع حبه لسيده ، وشدة حاجته إليه ، وعلمه بضعفه وعجزه وقوة سيده ، وذله وعز سيده . فيجتمع من هذه الأحوال كسرة وذلة وخضوع . ما أنفعها للعبد . وما أجدى عائدتها عليه !