ابن قيم الجوزية

117

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ولما كان متوقفا على تلك الثلاثة جعلت شرائط له . فأما الندم : فإنه لا تتحقق التوبة إلا به ، إذ من لم يندم على القبيح فذلك دليل على رضاه به ، وإصراره عليه . وفي « المسند » « الندم توبة » . وأما الإقلاع : فتستحيل التوبة مع مباشرة الذنب . وأما الاعتذار : ففيه إشكال . فإن من الناس من يقول : من تمام التوبة ترك الاعتذار . فإن الاعتذار محاجة عن الجناية . وترك الاعتذار اعتراف بها ، ولا تصح التوبة إلا بعد الاعتراف . وفي ذلك يقول بعض الشعراء لرئيسه ، وقد عتب عليه في شيء : وما قابلت عتبك باعتذار * ولكني أقول كما تقول وأطرق باب عفوك بانكسار * ويحكم بيننا الخلق الجميل فلما سمع الرئيس مقالته قام وركب إليه من فوره . وأزال عتبه عليه . فتمام الاعتراف : ترك الاعتذار ، بأن يكون في قلبه ولسانه : اللهم لا براءة لي من ذنب فأعتذر ، ولا قوة لي فأنتصر ، ولكني مذنب مستغفر . اللهم لا عذر لي . وإنما هو محض حقك ، ومحض جنايتي . فإن عفوت وإلا فالحق لك . والذي ظهر لي من كلام صاحب المنازل : أنه أراد بالاعتذار إظهار الضعف والمسكنة ، وغلبة العدو . وقوة سلطان النفس ، وأنه لم يكن مني ما كان عن استهانة بحقك ، ولا جهلا به ، ولا إنكارا لاطلاعك ، ولا استهانة بوعيدك . وإنما كان من غلبة الهوى ، وضعف القوة عن مقاومة مرض الشهوة ، وطمعا في مغفرتك ، واتكالا على عفوك ، وحسن ظنّ بك ، ورجاء لكرمك ، وطمعا في سعة حلمك ورحمتك . وغرّني بك الغرور ، والنفس الأمّارة بالسوء ، وسترك المرخيّ عليّ ، وأعانني جهلي ، ولا سبيل إلى الاعتصام لي إلا بك . ولا معونة على طاعتك إلا بتوفيقك . ونحو هذا من الكلام المتضمن للاستعطاف والتذلل والافتقار ، والاعتراف بالعجز ، والإقرار بالعبودية . فهذا من تمام التوبة . وإنما يسلكه الأكياس المتملقون لربهم عزّ وجلّ ، واللّه يحب من عبده أن يتملق له . وفي الحديث « تملقوا للّه » وفي الصحيح « لا أحد أحبّ إليه العذر من اللّه » وإن كان معنى ذلك الإعذار . كما قال في آخر الحديث « من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين » وقال تعالى فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً ( 5 ) عُذْراً أَوْ نُذْراً ( 6 ) [ المرسلات : 5 ، 6 ] فإنه من تمام عدله وإحسانه : أن أعذر إلى عباده . وأن لا يؤاخذ ظالمهم إلا بعد كمال الإعذار وإقامة الحجة عليه . فهو أيضا يحب من عبده أن يعتذر إليه . ويتنصل إليه من ذنبه . وفي الحديث : « من اعتذر إلى اللّه قبل اللّه عذره » فهذا هو الاعتذار المحمود النافع . وأما الاعتذار بالقدر : فهو مخاصمة اللّه ، واحتجاج من العبد على الربّ ، وحمل لذنبه على الأقدار . وهذا فعل خصماء اللّه . كما قال بعض شيوخهم في قوله تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ [ آل عمران : 14 ] قال : أتدرون ما المراد بهذه الآية ؟ قالوا : ما المراد بها ؟ قال : إقامة أعذار الخليقة .