ابن قيم الجوزية
116
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وعظم خطرها . ففرحه بها غطّى عليه ذلك كله . وفرحه بها أشد ضررا عليه من مواقعتها . والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبدا . ولا يكمل بها فرحه . بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه ، ولكن سكر الشهوة يحجبه عن الشعور به . ومتى خلي قلبه من هذا الحزن . واشتدت غبطته وسروره ، فليتّهم إيمانه . وليبك على موت قلبه ، فإنه لو كان حيا لأحزنه ارتكابه للذنب ، وغاظه وصعب عليه ، ولا يحس القلب بذلك ، فحيث لم يحسّ به فما لجرح بميت إيلام . وهذه النكتة في الذنب قلّ من يهتدي إليها أو ينتبه لها . وهي موضع مخوف جدّا ، مترام إلى هلاك إن لم يتدارك بثلاثة أشياء : خوف من الموافاة عليه قبل التوبة . وندم على ما فاته من اللّه بمخالفة أمره ، وتشمير للجد في استدراكه . قوله « وقعودك على الإصرار عن تداركه » . الإصرار : هو الاستقرار على المخالفة . والعزم على المعاودة . وذلك ذنب آخر ، لعله أعظم من الذنب الأول بكثير . وهذا من عقوبة الذنب : أنه يوجب ذنبا أكبر منه . ثم الثاني كذلك . ثم الثالث كذلك ، حتى يستحكم الهلاك . فالإصرار على المعصية معصية أخرى . والقعود عن تدارك الفارط من المعصية إصرار ورضا بها ، وطمأنينة إليها . وذلك علامة الهلاك . وأشد من هذا كله : المجاهرة بالذنب ، مع تيقن نظر الرب جل جلاله من فوق عرشه إليه . فإن آمن بنظره إليه وأقدم على المجاهرة فعظيم . وإن لم يؤمن بنظره إليه واطلاعه عليه فكفر ، وانسلاخ من الإسلام بالكلية . فهو دائر بين الأمرين : بين قلة الحياء ، ومجاهرة نظر اللّه إليه ، وبين الكفر والانسلاخ من الدين . فلذلك يشترط في صحة التوبة تيقنه أن اللّه كان ناظرا - ولا يزال - إليه مطلعا عليه . يراه جهرة عند مواقعة الذنب . لأن التوبة لا تصح إلّا من مسلم ، إلا أن يكون كافرا بنظر اللّه إليه جاحدا له . فتوبته دخوله في الإسلام . وإقراره بصفات الرب جل جلاله « 1 » . شروط التوبة قال : « وشرائط التوبة ثلاثة : الندم . والإقلاع . والاعتذار » . فحقيقة التوبة : هي الندم على ما سلف منه في الماضي . والإقلاع عنه في الحال . والعزم على أن لا يعاوده في المستقبل . والثلاثة تجتمع في الوقت الذي تقع فيه التوبة . فإنه في ذلك الوقت يندم ، ويقلع ، ويعزم . فحينئذ يرجع إلى العبودية التي خلق لها . وهذا الرجوع هو حقيقة التوبة .
--> ( 1 ) حقيقة التوبة : الرجوع إلى اللّه . ولا يصح الرجوع ويتم إلا بمعرفة الرب بأسمائه وصفاته وآثارها في نفسه وفي الآفاق . ومعرفة أنه كان فارا من ربه ، أسيرا في قبضة عدوه . وأنه ما وقع في مخالب عدوه إلا بسبب جهله بربه ، وجرأته عليه . فلا بد أن يعرف كيف جهل ؟ ومتى جهل ؟ وكيف وقع أسيرا ، ومتى وقع ؟ ويؤمن أن التوبة إنما هي عملية شاقة بمجهود كبير ، ويقظة تامة للتخلص من العدو والرجوع والفرار إلى اللّه ربه الرحمن الرحيم ، والعود من طريق الهلاك الذي أخذه عدوه إليه ، ومعرفة مقدار الخطوات التي بعد بها عن ربه ، والمجهود والعقبات التي لا بد من الحرص على اقتحامها للعود إلى صراط اللّه المستقيم .