ابن قيم الجوزية

115

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فصلوات اللّه وسلامه على أعلم الخلق باللّه وحقوقه ، وعظمته وما يستحقه جلاله من العبودية ، وأعرفهم بالعبودية وحقوقها وأقومهم بها . حقيقة التوبة ولما كانت « التوبة » هي رجوع العبد إلى اللّه ، ومفارقته لصراط المغضوب عليهم والضالين ، وذلك لا يحصل إلا بهداية اللّه إلى الصراط المستقيم . ولا تحصل هدايته إلا بإعانته وتوحيده ، فقد انتظمتها سورة الفاتحة أحسن انتظام ، وتضمنتها أبلغ تضمن . فمن أعطى الفاتحة حقها - علما وشهودا وحالا معرفة - علم أنه لا تصح له قراءتها على العبودية إلا بالتوبة النّصوح . فإن الهداية التامة إلى الصراط المستقيم لا تكون مع الجهل بالذنوب ، ولا مع الإصرار عليها . فإن الأول جهل ينافي معرفة الهدى ، والثاني غيّ ينافي قصده وإرادته . فلذلك لا تصح التوبة إلا بعد معرفة الذنب ، والاعتراف به ، وطلب التخلص من سوء عواقبه أولا وآخرا . * * * قال في المنازل : « وهي أن تنظر في الذنب إلى ثلاثة أشياء : إلى انخلاعك من العصمة حين إتيانه ، وفرحك عند الظفر به ، وقعودك على الإصرار عن تداركه ، مع تيقنك نظر الحق إليك » . يحتمل أن يريد بالانخلاع عن العصمة : انخلاعه عن اعتصامه باللّه . فإنه لو اعتصم باللّه لما خرج عن هداية الطاعة . قال اللّه تعالى : وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ آل عمران : 101 ] فلو كملت عصمته باللّه لم يخذله أبدا . قال اللّه تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [ الحجّ : 78 ] أي متى اعتصمتم به تولاكم . ونصركم على أنفسكم وعلى الشيطان . وهما العدوان اللذان لا يفارقان العبد . وعداوتهما أضر من عداوة العدو الخارج . فالنصر على هذا العدوّ أهم ، والعبد إليه أحوج . وكمال النصرة على العدو بحسب كمال الاعتصام باللّه . وسيأتي الكلام إن شاء اللّه تعالى بعد هذا في حقيقة « الاعتصام » وأن الإيمان لا يقوم إلا به . ويحتمل أن يريد الانخلاع من عصمة اللّه له . وأنك إنما ارتكبت الذنب بعد انخلاعك من توبة عصمته لك . فمتى عرف هذا الانخلاع وعظم خطره عنده . واشتدت عليه مفارقته . وعلم أن الهلك كل الهلك بعده . وهو حقيقة الخذلان . فما خلّى اللّه بينك وبين الذنب إلا بعد أن خذلك ، وخلى بينك وبين نفسك . ولو عصمك ووفقك لما وجد الذنب إليك سبيلا . فقد أجمع العارفون باللّه على أن الخذلان : أن يكلك اللّه إلى نفسك ، ويخلي بينك وبينها . والتوفيق : أن لا يكلك اللّه إلى نفسك . وله سبحانه في هذه التخلية - بينك وبين الذنب وخذلانك حتى واقعته - حكم وأسرار . سنذكر بعضها . وعلى الاحتمالين فترجع « التوبة » إلى اعتصامك به وعصمته لك . قوله « وفرحك عند الظفر به » . الفرح بالمعصية دليل على شدة الرغبة فيها ، والجهل بقدر من عصاه ، والجهل بسوء عاقبتها