ابن قيم الجوزية
114
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
أن تبكي وأنت مدلّ . وأنين المذنبين ، أحب إلى اللّه من زجل المسبحين المدلّين ، ولعل اللّه أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا هو فيك ولا تشعر . فللّه في أهل طاعته ومعصيته أسرار لا يعلمها إلا هو . ولا يطالعها إلا أهل البصائر . فيعرفون منها بقدر ما تناله معارف البشر ، ووراء ذلك ما لا يطّلع عليه الكرام الكاتبون . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إذا زنت أمة أحدكم ، فليقم عليها الحدّ ولا يثرّب » أي لا يعير ، من قول يوسف عليه السلام لإخوته لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [ يوسف : 92 ] فإن الميزان بيد اللّه . والحكم للّه . فالسوط الذي ضرب به هذا العاصي بيد مقلّب القلوب . والقصد إقامة الحد لا التعيير والتثريب . ولا يأمن كرّات القدر وسطوته إلا أهل الجهل باللّه . وقد قال اللّه تعالى لأعلم الخلق به ، وأقربهم إليه وسيلة وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ( 74 ) [ الإسراء : 74 ] وقال يوسف الصديق : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ [ يوسف : 33 ] وكانت عامة يمين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لا ومقلّب القلوب » وقال : « ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عزّ وجلّ . إن شاء أن يقيمه أقامه ، وإن شاء أن يزيغه أزاغه » ثم قال : « اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ، اللهم مصرّف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك » . مقام التوبة فإذا صح هذا المقام ، ونزل العبد في هذه المنزلة ، أشرف منها على مقام « التوبة » لأنه بالمحاسبة قد تميز عنده ما له مما عليه . فليجمع همته وعزمه على النزول فيه والتشمير إليه إلى الممات . ومنزل « التوبة » أول المنازل ، وأوسطها ، وآخرها . فلا يفارقه العبد السالك ، ولا يزال فيه إلى الممات . وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به . واستصحبه معه ونزل به . فالتوبة هي بداية العبد ونهايته . وحاجته إليها في النهاية ضرورية . كما أن حاجته إليها في البداية كذلك . وقد قال اللّه تعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ النّور : 31 ] وهذه الآية في سورة مدنية ، خاطب اللّه بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه ، بعد إيمانهم وصبرهم ، وهجرتهم وجهادهم . ثم علق الفلاح بالتوبة تعليق المسبب بسببه . وأتى بأداة « لعلّ » المشعرة بالترجي ، إيذانا بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح . فلا يرجو الفلاح إلا التائبون . جعلنا اللّه منهم . قال تعالى : وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ الحجرات : 11 ] قسم العباد إلى تائب وظالم ، وما ثمّ قسم ثالث البتة . وأوقع اسم « الظالم » على من لم يتب . ولا أظلم منه ، لجهله بربه وبحقه ، وبعيب نفسه وآفات أعماله . وفي الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يا أيها الناس ، توبوا إلى اللّه فو اللّه إني لأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة » وكان أصحابه يعدّون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم « رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الغفور ، مائة مرة » وما صلى صلاة قط بعد إذ أنزلت عليه إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) [ النّصر : 1 ] إلى آخرها . إلا قال فيها « سبحانك اللهم ربنا وبحمدك . اللهم اغفر لي » وصح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « لن ينجي أحدا منكم عمله . قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني اللّه برحمة منه وفضل » .