ابن قيم الجوزية
110
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
أنها منبع كل شر ، وأساس كل نقص . وأن حدّها : الجاهلة الظالمة ، وأنه لولا فضل اللّه ورحمته بتزكيته لها ما زكت أبدا . ولولا هداه ما اهتدت . ولولا إرشاده وتوقفه لما كان لها وصول إلى خير البتة . وأن حصول ذلك لها من بارئها وفاطرها . وتوقفه عليه كتوقف وجودها على إيجاده . فكما أنها ليس لها من ذاتها وجود . فكذلك ليس لها من ذاتها كمال الوجود . فليس لها من ذاتها إلا العدم - عدم الذات ، وعدم الكمال - فهناك تقول حقا « أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي » . ثم تقايس بين الحسنات والسيئات . فتعلم بهذه المقايسة : أيهما أكثر وأرجح قدرا وصفة . وهذه المقايسة الثانية مقايسة بين أفعالك وما منك خاصة . * * * قال « وهذه المقايسة تشق على من ليس له ثلاثة أشياء : نور الحكمة ، وسوء الظن بالنفس ، وتمييز النعمة من الفتنة » . يعني أن هذه المقايسة والمحاسبة تتوقف على نور الحكمة . وهو النور الذي نوّر اللّه به قلوب أتباع الرسل . وهو نور الحكمة . فبقدره ترى التفاوت . وتتمكن من المحاسبة . ونور الحكمة هاهنا : هو العلم الذي يميز به العبد بين الحق والباطل ، والهدى والضلال . والضار والنافع . والكامل والناقص . والخير والشر . ويبصر به مراتب الأعمال ، راجحها ومرجوحها ، ومقبولها ومردودها . وكلما كان حظه من هذا النور أقوى ، كان حظه من المحاسبة أكمل وأتم . وأما سوء الظن بالنفس : فإنما احتاج إليه لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش . ويلبّس عليه . فيرى المساوىء محاسن ، والعيوب كمالا . فإن المحب يرى مساوىء محبوبه وعيوبه كذلك . فعين الرضى عن كل عيب كليلة * كما أن عين السّخط تبدي المساويا ولا يسيء الظن بنفسه إلا من عرفها . ومن أحسن ظنه بنفسه فهو من أجهل الناس بنفسه . وأما تمييز النعمة من الفتنة : فليفرق بين النعمة التي يرى بها الإحسان واللطف ، ويعان بها على تحصيل سعادته الأبدية . وبين النعمة التي يرى بها الاستدراج ، فكم من مستدرج بالنعم وهو لا يشعر ، مفتون بثناء الجهال عليه ، مغرور بقضاء اللّه حوائجه وستره عليه ! وأكثر الخلق عندهم : أن هذه الثلاثة علامة السعادة والنجاح . ذلك مبلغهم من العلم . فإذا كملت هذه الثلاثة فيه عرف حينئذ أن ما كان من نعم اللّه عليه بجمعه على اللّه فهو نعمة حقيقة . وما فرقه عنه وأخذه منه فهو البلاء في صورة النعمة ، والمحنة في صورة المنحة . فليحذر فإنما هو مستدرج . ويميز بذلك أيضا بين المنة والحجة . فكم تلتبس إحداهما عليه بالأخرى ! . فإن العبد بين منة من اللّه عليه ، وحجة منه عليه . ولا ينفكّ عنهما . فالحكم الديني متضمن لمنته وحجته . قال اللّه تعالى : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ آل عمران : 164 ] وقال : بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ [ الحجرات : 17 ] وقال : فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [ الأنعام : 149 ] .