ابن قيم الجوزية

111

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

والحكم الكوني أيضا متضمن لمنته وحجته . فإذا حكم له كونا حكما مصحوبا باتصال الحكم الديني به فهو منّة عليه . وإن لم يصحبه الديني فهو حجة منه عليه . وكذلك حكمه الديني إذا اتصل به حكمه الكوني . فتوفيقه للقيام به منة منه عليه . وإن تجرد عن حكمه الكوني صار حجة منه عليه . فالمنة : باقتران أحد الحكمين بصاحبه . والحجة : في تجرد أحدهما عن الآخر . فكل علم صحبه عمل يرضي اللّه سبحانه فهو منة . وإلا فهو حجة . وكل قوة ظاهرة وباطنة صحبها تنفيذ لمرضاته وأوامره فهي منة ، وإلا فهي حجة . وكل حال صحبه تأثير في نصرة دينه ، والدعوة إليه فهو منة منه . وإلا فهو حجة . وكل مال اقترن به إنفاق في سبيل اللّه وطاعته ، لا لطلب الجزاء ولا الشكور ، فهو منة من اللّه عليه . وإلا فهو حجة . وكل فراغ اقترن به اشتغال بما يريد الرب من عبده فهو منة عليه ، وإلا فهو حجة . وكل قبول في الناس ، وتعظيم ومحبة له ، اتصل به خضوع للرب ، وذل وانكسار ، ومعرفة بعيب النفس والعمل ، وبذل النصيحة للخلق فهو منة ، وإلا فهو حجة . وكل بصيرة وموعظة ، وتذكير وتعريف من تعريفات الحق سبحانه إلى العبد ، اتصل به عبرة ومزيد في العقل ، ومعرفة في الإيمان فهي منة ، وإلا فهي حجة . وكل حال مع اللّه تعالى ، أو مقام اتصل به السير إلى اللّه ، وإيثار مراده على مراد العبد . فهو منة من اللّه . وإن صحبه الوقوف عنده والرضى به ، وإيثار مقتضاه ، من لذة النفس به وطمأنيتها إليه ، وركونها إليه ، فهو حجة من اللّه عليه . فليتأمل العبد هذا الموضع العظيم الخطر . ويميز بين مواقع المنن والمحن . والحجج والنعم . فما أكثر ما يتلبس ذلك على خواص الناس وأرباب السلوك . وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ البقرة : 213 ، النّور : 46 ] . الركن الثاني من أركان المحاسبة وهي أن تميز ما للحق عليك من وجوب العبودية ، والتزام الطاعة ، واجتناب المعصية . وبين ما لك وما عليك . فالذي لك : هو المباح الشرعي . فعليك حق . ولك حق . فأدّ ما عليك يؤتك ما لك . ولا بد من التمييز بين ما لك وما عليك . وإعطاء كل ذي حق حقه . وكثير من الناس يجعل كثيرا مما عليه من الحق من قسم ماله . فيتحير بين فعله وتركه ، وإن فعله رأى أنه فضل قام به لا حق أداه . وبإزاء هؤلاء من يرى كثيرا مما له فعله وتركه من قسم ما عليه فعله أو تركه . فيتعبد بترك ما له فعله ، كترك كثير من المباحات . ويظن ذلك حقا عليه . أو يتعبد بفعل ما له تركه ويظن ذلك حقا عليه . مثال الأول : من يتعبد بترك النكاح ، أو بترك أكل اللحم ، أو الفاكهة مثلا ، أو الطيبات من المطاعم والملابس . ويرى - لجهله - أن ذلك مما عليه . فيوجب على نفسه تركه . أو يرى تركه من أفضل القرب ، وأجل الطاعات . وقد أنكر النبي صلى اللّه عليه وسلم على من زعم ذلك ، ففي الصحيح « أن