ابن قيم الجوزية

11

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

المطالب العالية التي اشتملت عليها سورة الفاتحة اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال ، وتضمنتها أكمل تضمن . فاشتملت على التعريف بالمعبود - تبارك وتعالى - بثلاثة أسماء ، مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها ، ومدارها عليها . وهي « اللّه ، والرب ، والرحمن » وبنيت السورة على الإلهية ، والربوبية ، والرحمة ف إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة : 5 ] مبني على الإلهية . و وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] على الربوبية . وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم بصفة الرحمة ، والحمد يتضمن الأمور الثلاثة . فهو المحمود في إلهيته ، وربوبيته ، ورحمته . والثناء والمجد كمالان لجده . وتضمنت إثبات المعاد ، وجزاء العباد بأعمالهم ، حسنها وسيئها . وتفرّد الربّ تعالى بالحكم إذ ذاك بين الخلائق ، وكون حكمه بالعدل . وكل هذا تحت قوله مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 4 ] . وتضمنت إثبات النبوات من جهات عديدة . أحدها : كونه ربّ العالمين « 1 » . فلا يليق به أن يترك عباده سدى هملا لا يعرّفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وما يضرهم فيهما ، فهذا هضم للربوبية ، ونسبة الرب تعالى إلى ما لا يليق به . وما قدره حق قدره من نسبه إليه . الثاني : أخذها من اسم « اللّه » وهو المألوه المعبود . ولا سبيل للعباد إلى معرفة عبادته إلا من طريق رسله . الموضع الثالث : من اسمه « الرحمن » فإن رحمته تمنع إهمال عباده ، وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم . فمن أعطى اسم « الرحمن » حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل ، وإنزال

--> ( 1 ) أي مربيهم بالنعيم - وأجلها الوحي ، وإرسال الرسل ، وإنزال الهدى والعلم والحكمة - والآلاء المتتالية ، التي لا تنقطع عنهم طرفة عين ، وهو القيوم الذي يقوم بعلمه وحكمته وقدرته على تدبير أمور العالمين في كل لحظة ، وهو القاهر فوق عباده الحكيم الخبير ، الذي يسخر هذه العوالم لبعضها ، ويسخر جميع ما في السماوات والأرض منها للإنسان ، ليربّيه وينميه ، فيربو بها وينمو ويسمو على درجات الكمال والكرامة الإنسانية ، إذا عرف نعم ربه عليه ، ورحمته به ، وحكمته البالغة في تدبيره إياه ، وقدر ذلك قدره ، فشكره واحتفظ بكرامته ، واعتز بإخلاص إنسانيته المعنوية الكريمة وتصيفتها ، وتزكيتها بالتأمل والتفكر في الآيات الكونية ، والتدبر والفقه ، والعمل بالآيات العلمية . لتكون نفسه عابدة ، بمنتهى الذل وأخلص المحبة ، هذا الرب الرحمن الرحيم وجده ، فإنه هو الذي يبدؤها دائما بإحسانه وفضله ، ويعطيها جميع عناصر القوة والعزة والكرامة ، والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة ، لتسمو وتسعد ، والكل في ذلك سواء ، فقير إلى اللّه وحده ، واللّه وحده هو الغني الحميد . ولا يزال العبد الخلص يرقى بصادق العبودية على معارج الكرامة حتى يكون مع الأبرار في عليين . جعلنا اللّه كذلك .