ابن قيم الجوزية
101
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
والمحدث ، والعبادة والمعبود . فينزل العبادة منازلها . ويشهد مراتبها ، ويعطي كل مرتبة منها حقها من العبودية ، ويشهد قيامه بها . فإن شهود العبد قيامه بالعبودية أكمل في العبودية من غيبته عن ذلك . فإن أداء العبودية في حال غيبة العبد عنها وعن نفسه بمنزلة أداء السكران والنائم . وأداؤها في حال كمال يقظته وشعوره بتفاصيلها وقيامه بها ، أتم وأكمل وأقوى عبودية . فتأمل حال عبدين في خدمة سيدهما . أحدهما : يؤدي حقوق خدمته في حال غيبته عن نفسه وعن خدمته ، لاستغراقه بمشاهدة سيده . والآخر يؤديها في حال كمال حضوره ، وتمييزه ، وإشعار نفسه بخدمة السيد ، وابتهاجها بذلك ، فرحا بخدمته ، وسرورا والتذاذا منه ، واستحضارا لتفاصيل الخدمة ومنازلها . وهو - مع ذلك - عامل على مراد سيده منه ، لا على مراده من سيده ، فأيّ العبدين أكمل ؟ فالفناء : حظ الفاني ومراده . والعلم ، والشعور ، والتمييز ، والفرق ، وتنزيل الأشياء منازلها ، وجعلها في مراتبها : حق الرب ومراده . ولا يستوي صاحب هذه العبودية ، وصاحب تلك . نعم ، هذا أكمل حالا من الذي لا حضور له ولا مشاهدة بالمرة ، بل هو غائب بطبعه ونفسه عن معبوده وعن عبادته . وصاحب التمييز والفرقان - وهو صاحب الفناء الثالث - أكمل منهما . فزوال العقل والتمييز والغيبة عن شهود نفسه وأفعالها لا يحمد ، فضلا عن أن يكون في أعلى مراتب الكمال ، بل يذم إذا تسبب إليه ، وباشر أسبابه ، وأعرض عن الأسباب التي توجب له التمييز والعقل . ويعذر إذا ورد عليه ذلك بلا استدعاء ، بأن كان مغلوبا عليه ، كما يعذر النائم والمغمى عليه ، والمجنون ، والسكران الذي لا يذم على سكره . كالموجر ، والجاهل بكون الشراب مسكرا ، ونحوهما . وليس أيضا هذه الحال بلازمة لجميع السالكين ، بل هي عارضة لبعضهم ، منهم : من يبتلى بها ، كأبي يزيد وأمثاله . ومنهم : من لا يبتلى بها . وهم أكمل وأقوى . فإن الصحابة رضي اللّه عنهم - وهم سادات العارفين . وأئمة الواصلين المقربين ، وقدوة السالكين - لم يكن منهم من ابتلي بذلك ، مع قوة إرادتهم ، وكثرة منازلاتهم ، ومعاينة ما لم يعاينه غيرهم ، ولا شم له رائحة ، ولم يخطر على قلبه « 1 » . فلو كان هذا الفناء كمالا لكانوا هم أحقّ به وأهله . وكان لهم منه ما لم يكن لغيرهم . ولا كان هذا أيضا لنبينا صلى اللّه عليه وسلم ، ولا حالا من أحواله صلى اللّه عليه وسلم . ولهذا - في ليلة المعراج لما أسري به ، وعاين ما عاين مما أراه اللّه إياه من آياته الكبرى - لم تعرض له هذه الحال . بل كان كما وصفه اللّه عزّ وجلّ بقوله : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 ) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ( 18 ) [ النّجم : 17 ، 18 ] وقال : وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [ الإسراء : 60 ] وقال ابن عباس : « هي
--> ( 1 ) لأن قلوبهم كانت سليمة من أمراض الجهالة والأهواء ، والشكوك والشهوات ، وكانت دائمة التغذي بما أنزله اللّه هدى ورحمة وشفاء لما في الصدور ، فكانت قلوبا مشرقة بنور الهدى ، قوية بصدق العلم باللّه ، واللجأ إليه ، والتوكل والاعتماد عليه . وهيهات للصوفية هذا المنال ، وقلوبهم مريضة بالأهواء ، والريب والشكوك الجاهلية . فإنها إنما تتغذى من فلسفة الهند واليونان ، ومن حدثني قلبي وقال لي شيخي .