داود القيصري
43
شرح تائية ابن الفارض الكبرى
قوله عليه الصلاة والسلام ناقلا عن ربه : « من تقرب إليّ شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب إليّ ذراعا تقربت منه باعا » « 1 » وقوله : « ما تقرب إليّ عبدي بمثل ما افترضت عليه ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ويده » « 2 » . وقوله : « تقربت » ، يجوز أن يكون إخبارا عن الواقع ليكون الناظم رحمه اللّه من المحبين الذين تداركهم اللطفي الإلهي آخرا بالجذبة فيكون من الذين سبق اجتهادهم على الجذبة ويجوز أن يكون من المحبين الذين سبق جذبتهم على سلوكهم ، وإنما قال كذلك تحريضا للطالبين ليكونوا من المحبين بالسعي والاجتهاد كما قال تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : الآية 69 ] ثم قال : « فأدنت » لينبه الطالب على أن سعيه لا بد أن يكون منتجا . ( وفي البيت إشارة إلى عدة مقامات كاليقظة والتوبة والإنابة والإرادة والشوق والمحبة والكرم والجود والتسليم والإخلاص وغير ذلك مما يمكن أن يدخل تحت مقام التقريب بالنفس ) ( ولما كان التقرب بالنفس مستدعيا للترك والتجريد التام ، قال : ) . 169 - وقدّمت مالي في مآلي ، عاجلا ، وما إن عساها أن تكون منيلتي « 3 » 169 - أي : قدمت بين يدي حضرة المحبوبة كلّ ما كان لي في الدنيا والآخرة بالبذل والإيثار في طريقها حال كوني مسرعا وكل ما يتوقع وقوعه ويرجى حصوله من المراتب الجنانية والدرجات الروحانية فضلا ورحمة من عند اللّه أيضا كذلك كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً [ المجادلة : الآية 12 ] ، ( وفي هذا البيت تنبيه على أن السالك يجب عليه التجرد من جميع ما يطلق عليه اسم الغير لئلا يكون طالبا لما سواه ) . 170 - وخلّفت خلفي رؤيتي ذاك ، مخلصا ، ولست براض أن تكون مطيّتي 170 - أي : رميت خلفي رؤيتي ذاك التقديم أيضا لئلا يخطر في خاطري وقتا ما أني قدمت بين يدي المحبوبة شيئا وذلك بإسناد ذلك التقديم أيضا إلى الفاعل الحقيقي لا إلى نفسي ولست براض أن تكون نفسي المضحاة في سبيل اللّه مطية لي
--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 5 / 581 ) ، وابن حبان ( 2 / 35 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 5 / 2384 ) . ( 3 ) منيلة : معطية ، واهبة .