داود القيصري

141

شرح تائية ابن الفارض الكبرى

528 - وأسمعني في ذكري اسمي ذاكري ، ونفسي بنفي الحسّ أصغت وأسمت 528 - أي : أسمتني وجعلتني أعلى من أن تكون لي حواس أو تلحقني صفات ، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : « كمال الإخلاص نفي الصفات عنه » ، أي : نفي الصفات الزائدة ، وإلا لا يمكن نفي الصفات التي هي عينه عنه . فالمراد بالحواس مباديها ، وهي الصفات كالسمع والبصر وغيرهما . ويدل عليه قوله فيما بعد : « وعن شرك وصف الحس كلي منزه » [ البيت : 530 ] ، أي : أسمعني ذاكري اسمي في ذكره إياه ، والحال أن نفسي وذاتي بنفي الصفات أصغت وجعلتني أعلى من أن يلحقني كثرة صفات كانت أو غيرها . 529 - وعانقتني ، لا بالتزام جوارحي ال جوانح ، لكنّي اعتنقت هويّتي 529 - أي : علقت ذاتي بذاتي لا بالتزام جوارحي لأضلاعي ، ولكني عانقت هويتي وحقيقتي ، أي : المحبوبة التي اعتنقتها عند اتحادي بها ما كانت إلّا عين هويتي لا غيرها . 530 - وأوجدتني روحي ، وروح تنفّسي يعطّر أنفاس العبير المفتّت 530 - أي : ( أوجدت هنا بمعنى : الإنشاق ، كما قال عليه الصلاة والسلام : « [ اللهم ] أوجدني رائحة الجنة مع الأبرار » « 1 » ؛ الروح ( بفتح الراء ) : الراحة والرائحة الطيبة ؛ العبير : أنواعه من الطيب يخلط بعضها مع بعض ؛ المفتت : المسحوق ) وذلك لأن النفس الرحماني الذي أشار إليه صلوات اللّه عليه ، بقوله : « إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن » « 2 » هو الذي يعطر الأكوان بإعطاء الوجود إياها وإظهار لوازمه لديها . والسالك إذا وصل إلى حقيقته التي منها يظهر النفس الرحماني يحق له أن يقول : وروح تنفسي يعطر أنفاس العبير المفتت ، لأن جميع الموجودات بنفسه تتعطر لا العبير وحده .

--> ( 1 ) انظر : صحيح ابن حبان ( 16 / 391 ، 392 ) . ( 2 ) رواه ابن أبي عاصم في الآحاد ( 4 / 411 ) . وانظر : تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ( ص 212 ) ، وكشف الخفاء ( 1 / 251 ، 304 ) .