داود القيصري

133

شرح تائية ابن الفارض الكبرى

بيده فأخرج منه بنيه مثل الذر ، فقال : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى » ) « 1 » أي : كل ما ظهر في الوجود ، ما ظهر إلّا مني ، لأني صاحب مقام الجمع والتوحيد . وفيّ ظهر الولا والمحبة لأني أنا العاشق والمعشوق ، ولأجلي درت لبان ثدي مقام الجمع ، والمراد باللبان هنا المعارف التي تفيض من مقام الجمع على أهل العالم ، فإن اللبن صورة العلم . والمراد بالثدي : الكاملون العارفون الذي هم حملة العلوم والأسرار الإلهية . ولما كان مقام الجمع موجبا لشهود صاحبه عجائب لا يدركها العقل ولا الوهم ولا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، قال : 503 - وأعجب ما فيها شهدت ، فراعني ، ومن نفث روح القدس ، في الرّوع ، روعتي 504 - وقد أشهدتني حسنها ، فشدهت عن * حجاي ، ولم أثبت حلاي لدهشتي 505 - ذهلت بها عنّي ، بحيث ظننتني * سواي ، ولم أقصد سواء مظنّتي 503 - 504 - 505 - أي : وأعجب شيء في المحبة شهدته فأفزعني . والحال أن من نفث روح القدس في قلبي كان روعتي وفزعي ، أي : وسبب هذا الفزع ومبدأ فيضه هو روح القدس لا غير . وقد أشهدتني المحبة حسنها فصرت مدهوشا عن عقلي ، فلم أثبت صفاتي وكمالاتي لأجل دهشتي ذهلت ، أي : أعجب شيء في المحبة رأيته ، ذهولي بالمحبوبة عن ذاتي بحيث ظننت أنني غيري . ولم أقصد طريق التهمة والمظنة على نفسي في أني ظننتها غيري . ( وإنما تعجب منه لأن الإنسان يذهل عن كل شيء إلا عن ذاته ونفسه ، فإنه لا يذهل عنها ، ولو ذهل عنها أيضا لا يذهل عنها ويظن أنها غيره ) . وقوله : « وقد أشهدتني حسنها » يدل على أن هذا التجلي من التجليات الصفاتية الجمالية . والذهول عن النفس في مثل هذا التجلي إنما هو لجلالة الجمال ، فإن للجمال جلالا وهو القهر المستور باللطف ، وهو الذي يحير الناظر ويسلب عقله عنه ، وللجلال جمالا ، وهو اللطف المستور في صورة القهر ولا يتوهم أن راعني هنا بمعنى أعجبني ، فإن قوله : « ومن نفث روح القدس في الروع روعتي » ينافيه لوقوعه أجنبيا حينئذ .

--> ( 1 ) انظر : تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ( ص 5 ، 87 ) ، ومعتصر المختصر للموصلي ( 2 / 175 ) .