داود القيصري

112

شرح تائية ابن الفارض الكبرى

449 - ومنها يميني ، فيّ ركن مقبّل ، ومن قبلتي ، للحكم ، في فيّ قبلتي 449 - أي : ومن مظاهر تلك الصفات يميني وهي فيّ ركن مقبّل كالركن اليماني . وإنما جعله ركنا مقبّلا لأن اليمين ركن من أركان بدنه ، كما أن الركن اليماني ركن من أركان الكعبة . وكما أن الأساس يقبلون الحجر الأسود متابعة لرسول اللّه صلى اللّه عليه [ وآله ] وسلم وهو من الركن اليماني كذلك جرى حكم العادة أن تقبل الأصاغر يمين أكابرهم . وكما أن الحجر الأسود يمين اللّه الذي عنده تتجدد العهود والمواثيق ، كذلك يمين الكامل يمين اللّه التي عندها يجدد المريدون عهودهم ومواثيقهم ، كما قال تعالى : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح : الآية 10 ] وكانت اليد يد رسول اللّه صلى اللّه عليه [ وآله ] وسلم عند البيعة تحت الشجرة . ولما كان الحجر الأسود جزءا من الكعبة الصورية التي هي مظهرة للبدن ، جعل فمه الذي هو جزء منه باب الحجر الأسود ، فقال : « ومن قبلتي . . . الخ » ، أي : ومن قبلة وجودي التي هي في مقابلة القبلة الظاهرة يقع في فمي قبلتي لصدور حكم الشارع بتقبيل ما بإزائه . 450 - وحولي بالمعنى طوافي ، حقيقة ، وسعيي ، لوجهي ، من صفائي لمروتي 450 - أي : وطوافي بحسب المعنى إنما هو حوالي من جهة الحقيقة وسعيي بالجد والاجتهاد والرياضة والسلوك إنما هو لأجل ذاتي . وذلك لأن من تنوّر باطنه بنور الإيمان وتنبه بأن له مبدعا أبدعه وأعطاه الوجود والكمالات ، لا بد له من أن يسعى ليعرف من هو وما شأنه . وذلك لا يمكن له إلا بالنظر في العالم الكبير أو في نفسه ليستدل بكل واحد من الآثار على صفات مؤثره ، كما قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصّلت : الآية 53 ] ، والنظر في نفسه أسهل للعارف من النظر في الآفاق . إذ لا يمكن لأحد أن يحيط بجميع ما في الآفاق ويمكن أن يحيظ بجميع ما نفسه ، فالعارف يطوف حوالي نفسه ليعلم ما حقيقتها وما شأنها وما أجزاؤها التي هي مركبة منها ، فيحيط بروحه وقلبه وقواهما الروحانية علما كما يحيط بجسمه وقواه الجسمانية فيعرف منها ربها الذي يربّها ، ثم يسعى أن يجعل ذاته موصوفة بصفات ربها بالرياضة والمجاهدة إلى أن يتجلى له جمال الحق ويفنيه من نفسه وإنيته ويدخله بيت ذاته ، فيعلم أنه ما كان غيره حقيقة . فهو الجامع الحقيقي الذي أمن بدخول في الكعبة الحقيقية عن نقائص الإمكان ولوازم