داود القيصري
104
شرح تائية ابن الفارض الكبرى
كونك راغبا عن الدرس ومعرضا عن التعليم والتعلم . ولما كان كل ما يدرك بالحواس مشتملا لمعنى من المعاني الإلهية وخبرا من الإخبارات الربانية جعله وحيا . فإن الوحي ما ينزل من الحق إلى العبد من المعاني والإخبارات بواسطة الملك . فالحامل تلك المعاني المدركة بالحس بمثابة الملك في إيصالها إلى العبد وتبليغها إليه . ولما كان الحامل لها محسوسا بديهيا أضاف الوحي إلى البديهة ، والإضافة بمعنى من ، أي : بوحي حاصل من أمر بديهي ، وإنما قال : « راغبا عن الدرس » فإن المعاني المدركة بالتعليم والتعلم إذا كانت مجردة عن الوجدان والذوق لا تفيد شيئا طائلا للمتعلم فإنه في معرض الزوال بخلاف ما يدرك بالوجدان والذوق باطنا أو بالحواس ظاهرا فإنه لا يمكن لأحد مخالفة ما يدرك يجده ويشاهده ولو برهن من يخالفه بألف برهان . ( ولما قال تنبه لما نقله الحس إلى النفس ، وكان ذلك تنبيها إجماليّا ، شرع يفصله ، بقوله : ) . 420 - لروحي يهدي ذكرها الرّوح ، كلّما سرت سحرا منها شمال ، وهبّت 420 - أي : يهدي إلى روحي ذكر المحبوبة سواء كان بلساني أو لسان مظهر آخر من مظاهر حقيقية وبأي لسان كان روحا وراحة كلما سرت من جانبها شمال وهبت من حضرة المحبوبة ويذكرني إياها يعطي ذكرها لروحي الروح والراحة . ( ولما ) كان نسيم الشمال أطيب الأهوية وألذها استعار الشمال للنفس الرحماني الذي يجده الكامل من جميع الأرياح . وإنما عين السحر لأنه أطيب الأوقات التي تمر على الإنسان . ( وقرأ بعض الشارحين « ذكرها الروح » بفتح ذكرها وضم الروح على أن ذكرها مفعول يهدي وفاعله الروح ) فمعناه : ويهدي إلى روحي الروح الذي في نسيم السحر ذكر المحبوبة كلما سرت سحرا شمال . وهو أيضا صحيح . 421 - ويلتذّ إن هاجته سمعي ، بالضّحى ، على ورق ورق ، شدت ، وتغنّت 421 - أي : يلتذ سمعي إن هاجته في الضحى حمامات شدت على ورق الأشجار وتغنت . وذلك لأن المحب إذا سمع صوتا حزينا من الحمام والهزار وغيرهما من الأطيار يتحرك شوقه إلى محبوبه ويزداد محبة في معشوقه ويحصل منه وجد آخره سكر يغيب عن نفسه وإنيته وعند ذلك يشاهد أنوار غيبية وحقائق معنوية . وكل ذلك من آثار تجليات الهوية الحقانية في صورة تلك الحمامات والأطيار لقلب