عبد الرزاق الكاشاني ( القاشاني )

373

لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام

وهذه الثلاثة الأوصاف هي التي لا يصح لأحد تحسين خلقه مع الحق ولا مع الخلق إلّا بالاتصاف بجميعها . أما العلم : فلكونه هو المرشد إلى مواقع المعروف وبذله ولهذا فإنّ الجاهل يفعل المنكر ويظنه معروفا لجهله ولهذا لا يصح الاتصاف بحسن الخلق لمن لم تكن أخلاقه على وفق علم الشريعة ولا أن يكمل فيها إلّا بعد المعرفة بعلم الطريقة . لأنه هو العلم الذي منه يستفاد كمالها كما سيأتي في بابه . وأما الجود : فلكون حسن الخلق مع البخل مما لا يجتمعان ولأنّ حسن الخلق يحتاج فيه إلى البذل الذي لا يتم إلّا بالجود ولأن حسن الخلق مع الغير راجع إلى الجود على نفسك أيضا بحيث وجهته إليها بتحسين أخلاقها . وبهذا يعلم أن حسن الخلق مع الحق راجع إلى جود العبد على نفسه . وأما الصبر فإنما يحتاج إليه في حسن الخلق لأنّ [ 85 ظ ] من علم بمواقع المعروف وكان جوادا ببذله ولم يصبر على دوام البذل لم يتم له حسن الخلق فلكون الدوام على بذل المعروف مشتقا احتيج إلى الاستعانة عليه بالصبر . وكذا في جميع الأعمال والأحوال والمقامات فإنه يحتاج فيها إلى الصبر عليها ، ولهذا عدوا الصبر أعم الأخلاق حكما وأشملها أثرا كما سيأتي في بابه . الخلق العظيم : هو أكمل ما يمكن أن يتصف به الإنسان من مكارم الأخلاق ولهذا لما جمعها اللّه في نبينا صلى اللّه عليه وسلم قال تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( القلم : 4 ) . قال الجنيد قدس اللّه سره العزيز : سمى خلقه صلى اللّه عليه وسلم عظيما لأنه لم يكن له همة سوى اللّه .