ابن الفارض
91
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
حالت بيننا صفات حادثة في عالم الخلق تداركني الهوى ، فأفنى لغيرته في هذا العالم ما لم يكن ثابتا في عالم الأمر من صفات حائلة بيننا ، فذهبت وصرت مع المحبوبة فريدا كما كنت أولا ، قال اللّه تعالى : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ الأنعام : الآية 94 ] ، ثم أشار إلى البقاء بعد الفناء بقوله : فألفيت ما ألقيت عنّي صادرا * إليّ ، ومنّي واردا بمزيدة ( ألفيت ) أي وجدته يتعدّى إلى مفعولين ، الأول : ( ما ألقيت ) ، والثاني : ( صادرا ) وعطف عليه ( واردا ) جار مجراه ، و ( الورود ) : الإتيان ، و ( الصدور ) : الرجوع عن المورد ، ويتعلق ( مني ) ب ( واردا ) ، و ( إليّ ) ب ( صادرا ) ، وكذا ( عني ) ، ويجوز تعلّقه ب ( ألفيت ) و ( بمزيدة ) ب ( ألقيت ) . أي : لما اضمحلّت صفاتي في مقام الفناء ودّت إلي في مقام البقاء ، فألفيتها بعد ما ألقيتها واردة من ذاتي صادرة عن ذاتي إلى ذاتي ، ولقد وجدت في بعض النسخ ( بمزيدتي ) بدل ( بمزيدة ) اسم فاعل مؤنث من الإزادة مضافا إلى الياء معناه : ( ألفيت ما ألفيت بمحبوبتي التي هي مزيدتي ، ومحبتي ) ، وهذا وإن صحّ لكنه غير مشموم منه طيب أنفاس الناظم لما فيه من التعسّف لفظا ، ومعنى بخلاف الأول لسلامة لفظه ورقّة معناه ، وهو أن الصفات الملقاة في الفناء تلقى بعده في مقام البقاء بمزيدة ، وهي وصف دوام البقاء بحيث لا يقبل الفناء أصلا ، وكأن الناسخ صحفه فحرفه عن موضعه ، وفي قوله : ( عني ) ، ( إلي ) و ( مني ) إشارات ، وتنبيهات ألاحت لأسرار الموحدين لوائح توحيد الذات ، وإن تعدّدت لها الحضرات ، اعلم أن للذات ثلاثة حضرات هي أصولها : الأولى : حضرة الفردية ، وهي حالة وجودها في عين الجمع حيث كانت ولم يكن معها شيء . والثانية : [ 109 / ق ] حضرة المعية ، وهي حالة وجودها مع كل شيء في عالم التفرقة . والثالثة : حضرة الوترية وهي حالة بقائها بعد فنائها كل شيء في مقام الجمع والحضرة ، الأولى : ما وردت الصفات منها ، والثانية : ما وردت إليها ثم صدرت عنها ، والثالثة : ما صدرت إليها ، والضمير في ( مني ) دلّ على الأولى ، وفي ( عني ) على الثانية ، وفي ( إلي ) على الثالثة ، وفي حضرة الفردية تحتجب تعينات الأسماء والصفات المندمجة في الذات بظهور الذات في حضرة المعية تحتجب الذات بالأسماء